رؤى لا فتاوى ٢٠

نفس القضية الاي تحدثنا عنها أكثر من مرة، تعدد الزوجات، قضية لها عدة جوانب، اذا يتكرر الحديث عنها.

إذا مات الزوج، أو ماتت الزوجة، ما حكم زواج الذي على قيد الحياة منهما؟ أو إذا حدث الطلاق، فما حكم كل منهما؟

سؤال تجرأ وطرحه أحد هؤلاء الذين يظنون أنفسهم من أهل الذكر، من المتخصصين في العلوم الشرعية، وبما أنني من أهل اللغة الإنجليزية، ثم من المتطفلين على الإدارة ومن الذين يحاولون السباحة في عالم علم النفس، فإنني في وجهة نظره أبعد الناس عن الفتوى.

وهذا صحيح من حيث المبدأ، فلست أفتي بحال، ولست أزعم أنني رأيي فتوى أبدا، لكنني وبحكم اطلاعي شبه الواسع، مجرد اطلاع على تفسير القرآن والسنة النبوية وكتب السير والتاريخ والدعوة إلى الله، مجرد مئات الكتب التي قرأتها، ومجرد عشرات الخطب ومئات الدروس التي ألقيتها، ومجرد عشرات الدورات التربوية التدريبية التي قدمتها، ومجرد آلاف الجلسات التربوية التي حضرتها، كل ذلك أزعم أنه يؤهلني أن أفهم روح الإسلام ومقاصد الشارع الحكيم، لا أفتي أكررها مرارا وتكرارا، لكن الفطرة السليمة تدلك بمنتهى الوضوح على الحق وتبغض إليك الباطل حين يشتبهان.

ينسى من يتجرأ على الفتوى أن هناك قضايا ليس فيها حلال وحرام، ليس شرطا أن يكون الواجب هذا الموقف دون ذاك، ليست الأمور دائما بين الأبيض والأسود، لا يجوز "تعميم" حكم أو فتوى عمياء على تصرف أو سلوك دون غيره، وعدد هذه القضايا من هذا النوع تعصى على العد والحصر، ومنها، هذا السؤال؛

إذا مات الزوج، أو ماتت الزوجة، ما حكم زواج الذي على قيد الحياة منهما؟ أو إذا حدث الطلاق، فما حكم كل منهما؟

حدثني "المتخصص" أنه "يجب" على الرجل الزواج إذا ماتت زوجته، أو إذا طلقها، بينما "يستحب" للمرأة ألا تتزوج إذا مات زوجها، أو طلقها، والسبب في ظنه أن الرجل لا يستغني عن المرأة، فيحتاج "زوجة أب" لأبنائه لتربيتهم، أما المرأة فنعم هي في غنى عن الرجل، وهي تفضل تربية أبنائها من غير "زوج أم" لهم!!!

منطق عقيم هذا الذي يوجب "زوجة الأب" ويكره "زوج الأم"، بينما كلاهما عند الأبناء سواء من حيث المبدأ، فهم لا يقبلون بديلا لأب أو أم، إنما الحق أنه لا حكم عام بهذا الشكل المهين، إنما تدرس كل حالة كحالة وحدها، دون فصل بين الرجل والمرأة، بل في السنة الشريفة ما يرد هذا الزعم ردا جازما، وهو حال الصحابية أسماء بنت عميس رضي الله عنها، فقد كانت زوجة لجعغر بن أبي طالب رضي الله عنه، فلما استشهد تزوجها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فلما لقي ربه تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأين كلام هذا "المتخصص" من هذا المثال شديد الوضوح؟

لماذا يكون في هده القضية حكم؟ لماذا لا تكون من الوسع حتى تدرس كل حالة بعيدا عن أختها؟ لماذا التبرع بإصدار حكم وشرعنته وإضفاء صفة التشريع عليه فيقع المسلم أو المسلمة في حرج إن وجد أحدهما أنه يرى في غير هذا الحكم مصلحة الدنيا والآخرة له؟ لماذا الإصرار على جعل الدين عبئا على قلوب الناس، يرون فيه مكدرا للحياة عندما يسمعون أمثال تلك الأحكام العامة التي لا تستند على دليل، إلا وجهة نظر رجولية ذكورية يتخيل صاحبها نفسه حين يفتي، فيوسع على نفسه، ويضيق على زوجته، فقط ليظهر نفسه شهيد الحق أمام أولاده والمجتمع، ويغار على أن يحل مكانه لزوجته رجل آخر، حتى لو كان هذا على حساب الحق، يتأله على الله بالتحليل والتحريم، عافانا الله من الهوى وبطر الحق.