سارة (قصة قصيرة)

بقلم: محمد عبدالعال

كانت ترى نفسها تمرح في حديقة غناء، بين الزهور تقفز فرحة، وعبير الورد من حولها أوسع صدرها ليسع الكون كله، وبينما كانت تنظر إلى وجهها الجميل ينعكس على ماء النهر الأزرق البديع، إذ فزع قلبها فجأة، حين سمعت صراخا قطع عنها وحي هذا الحلم الجميل. كان صراخ أمها وأبيها الذي صار عادة، وربما صار كالدواء ثلاث مرات يوميا، وعند الضرورة!

فتحت سارة عينيها لنبدأ يوما جديدا، لكنها لم تشعر يوما بأن حياتها تتجدد مع الأيام، فكل يوم كالذي قبله، خلاف وشجار وصراخ، لم يكن شجارا عن حاجة، فقد كانت الفيلا زاخرة بكل أنواع المتع والملذات، ولم يكن صراخا عن جهل، فقد كانت اللغة الإنجليزية هي الطاغية رغم أن جميع من في البيت عرب جدا عن جد، ولم يكن الخلاف عن رأي فربما كان الجميع متفقين على أن الحياة لهو ولعب. لكن التناحر اليومي كان تناحر نفوس تنافرت، وزادت نفورا يوما بعد يوم، ولم يكن من أحد يذكر بآية أو حديث أو حتى حكمة من أقوال الحكماء أو العقلاء، فقد كان الكل يرى تلك الأشياء من الرجعية والتخلف واللجوء إلى عصر الناقة والبعير، بينما الدنيا إلى الرقي والحضارة تسرع المسير.

جاءت الأجازة الصيفية، وكان الجدال والنقاش حول مكان قضائها هذا العام، فمن قائل إلى أوروبا، وآخر يفضل أمريكا، وثالث يود أن تكون هذا العام في شرق آسيا، حتى استقر القول على لاس فيجاس.

مرت أيام، كل واحد منها يزيد الهوة بين الأب والأم، بينما بنت السنوات العشر تائهة بينهما، حتى استيقظت يوما لتجد ورقة من أمها على الطاولة وسط الصالة؛ "لا تنتظروني"، وبينما سارة تقرأ الرسالة وتبكي، كان أبوها فرحا مسرورا كأنما تلقى خبرا انتظره طوال عمره!

بدأت سارة تعتاد على تجاهل أمها حتى في مجرد الاتصال من باب الاطمئنان، كذا على غياب أبيها طوال الليل ونومه طوال النهار، وعودته كل صباح مخمورا.

حتى انتظرته صباح يوم لكنه لم يعد، وبعد حوالي أسبوع أو أقل، جاء في زيارة خاطفة، لا ليزور سارة ويطمئن عليها، لكن ليأخذ أوراقا وملابس، فلما سألته سارة عن سبب غيابه، علمت أنه فعل كما فعلت أمها من أسابيع، وجد رفيقة يعيش معها.

زالت الخلافات في البيت تماما، وقلت العداوات، ولم يعد للصراخ أو الجدال مكان، لا لتعقل أو تفهم أو اتفاق، لكن لأن البيت صار خاويا، إلا من سارة.

لم يكن من أقارب لها في لاس فيجاس ولا معارف، فصارت سارة غريبة وسط المجهول، انتظرت أياما وأياما حتى يسأل عنها أبوها أو تتصل أمها، لكن أحدا منهما لم يتصرف بمسؤولية، ولأن اللغة الانجليزية لسارة كانت ممتازة كما ذكرنا، فقد بحثت عن عمل لتجد قوت يومها بعد أن نفدت حفنة القروش التي نسيها الأب والأم في البيت.

كان البحث عن عمل لطفلة ذات عشر سنوات أمرا غريبا، لكن لا مفر، كيف تأكل وتشرب؟ كيف تدفع إيجار السكن؟ هل تتسول في الشوارع؟

كان جمال سارة الفاتن نعمة ونقمة، رحمة ولعنة، فقد يسر لها القبول في كل محل تدخله، لكنه كان بهدف افتراسها بعد إطعامها. انتقلت سارة من محل إلى مطعم، ومن كافيتريا إلى كازينو، تغسل الأطباق وتنظف الطاولات وترتب الأواني، حتى إذا عجز وحش عن كبح جماح نفسه وهم أن يفترسها، هربت منه إلى غيره، لكنها كانت تنتقل من وكر إلى وكر ليس إلا.

مرت السنوات، وصارت البنت الجميلة شابة يافعة، يأسر جمالها الألباب، وكما تغيرت هيئتها واشتد قوامها، فقد تغيرت طباعها، وتركت نفسها لمن يفترسها، لما وجدت في هؤلاء الوحش مأوى وحياة، ولم يصبح معهم المال مشكلة.

سايرت سارة الأجواء ولم تثر عليها، فانغمست في الملذات، وتطوعت بمفاتنها لتكون مصدر رزقها، وكانت على قمة فتيات الهوى في الملهى التي كرست جسدها له، وأدمنت الشراب والفاحشة، حتى صار كل منهما روتينا يوميا لا يتغير. وحتى تتخلص من وحدتها شاركت سكنها مع صديق، يشاركها السكن والفراش، ويسلي وحدتها بعد الملهى، ويتشاركان الشراب والمتعة.

أتمت سارة عامها العشرين، وهي إذ اعتقدت أنها صارة حرة لا تحتاج إلى أحد، إلا أن نداء داخلها لم يترك باب قلبها دون طرقه كل يوم. كانت تحس فراغا روحيا لا يطاق. ولأن أباها وأمها قد قتلا فيها الشوق إليهما، كانت تسكن روحها كل يوم بهذه الحجة.

حتى أتى يوم فتحت سارة فيه عينيها، فوقعت عيناها على حقيبة صغيرة بين مقتنياتها، لم يخطر ببالها أن تنظر داخلها كل تلك السنوات، ربما لأن الحقيبة لأمها، تركتها من باب الذكرى فقط ليس إلا، لكنها لم تفتحها يوما.

فتحت سارة الحقيبة، فوجدت أشياء متفرقة، من بينها دفتر عناوين وأرقام هاتف، قلبت فيه الصفحات فلم تعرف منه أحدا. لكن قد لفت انتباهها عنوان وقد خطت حوله دائرة بالقلم الرصاص، ففكرت أنه ربما يكون عنوانا لأهل أو أصدقاء مميزين عن غيرهم. فقررت الاتصال بهم.

اتصلت سارة، وإذ بصوت شابة يبدو من صوتها أنها عشرينية، فلما عرفت عن نفسها، لم تعرفها، فأعطت الهاتف لأمها، فعرفت سارة على فورها، فطارت فرحا وسعادة أن سمعت صوتها بعد فراق طويل بينما كانت طفلة تحبو، ودعت سارة لزيارتهم في البيت، فوافقت سارة على الفور، ورحبت بالفكرة، وشدت الرحال.

لم تدر سارة ما الذي يحركها! وجدت نفسها تنساق خلف مجريات الأحداث دون مقاومة، وجدت نفسها تقود السيارة مئات الأميال كي تزور أناسا يعرفونها لكنها لا تذكر عنهم شيئا أبدا، وجدت نفسها تترك سكنها وعملها دون اعتذار لصاحب الملهى أو حتى ورقة لصاحبها في الشقة، كانت تشعر أن شيئا مجهولا يجذبها نحوه، وهي تسايره دون مقاومة.

وصلت سارة قبل الغروب بقليل، رحبت بها شابة جميلة ترحيبا شديدا، كانت تخفي جمال شعرها تحت غطاء رأس أبيض، بينما تبدو خصلة منه على مقدمة جبهتها ناعما كالحرير، وتغطي كل جسمها بعباءة تصل حتى قدميها، ولا يبدو من صدرها شئ، وعلى وجهها رسمت ابتسامة بريئة تزينها أسنان بيضاء لامعة يعكس بياض قلبها ونقائه. قالت بصوت ناعم جميل: "أنت سارة بالتأكيد، مرحبا بك، أنا هايدي، أهلا وسهلا، تفضلي، تفضلي"، واحتضنتها هايدي كأنما تحتضن أختا لها عن شوق.

دخلت سارة، لتسمع صوت امرأة حنون، يبدو الحب في كلامها لا التكلف: "مرحبا سارة، جئت في وقتك تماما، قد حان وقت الإفطار حالا"، كانت الأم تتكلم ولم يقطع كلامها حضنها الشديد لسارة، والذي ذكرها فورا بحضن أمها الذي حرمتها منه الأحداث القاسيات.

دخلت سارة متعجبة من كل شئ، حتى من "الإفطار" الذي موعده عند الغروب هذا. دخلت سارة غرفة واسعة ليقابلها دون سلام باليد شاب يافع رشيق القوام، تبدو على قسمات وجهه نضارة وجمال، وآخر يبدو أنه الأب، قد علت وجهه لحية قصيرة مهندمة، تتخللها بعض شعرات بيضاء، زادت من جمالها وحسنها، وابتسامته تأسر القلب، فذكرها كل ذلك بأبيها الذي كادت صورته ترحل من الذاكرة.

جلست سارة وسألت عن سبب تأخيرهم للإفطار، معتذرة إن كانت قد سببت لهم هذا التأخير منتظرين إياها. فابتسم الجميع، ظنا منهم أنها دعابة تلقيها سارة عليهم لكسر الحواجز قبل الحديث. فقالت هايدي: "رمضان كريم يا سارة، ربما أفطرت أنت لداعي السفر، لكننا صائمون، فلا رخصة لنا في الإفطار". تعجبت سارة ولم تفهم شيئا مما قيل لها.

كانت عيون هيثم وأبيه مجدي لا تقع على سارة، مما أثار تعجبها، فتلك الرقبة الرائعة، وذانك النهدان البارزان، وتلك السرة الظاهرة تحت نجمة ذهبية، وكل ما تحت التنورة فوق الركبة إلى أخميص قدميها، كل ذلك كان مثار إعجاب الجميع، ومدح كل من حولها، وكانت الأيادي والشفاه تتسابق على كل منها، والآن، لا هذا ولا ذاك تقع حتى أعينهما على شيء منه؟ بل ولا تبدو عليهما رغبة حتى ف اختلاس النظر؟ وما هذه الملاءات التي تغطي بها كل من هايدي وأمها سميرة جسديهما كله؟ من هؤلاء الناس؟ وكيف يعيشون هكذا؟ وأين المتعة في حياتهم؟ ولماذا يجوعون ويعطشون طول النهار، لتسمح لهم كلمتان عند الغروب ببدء الأكل والشرب؟ وما هذا الطعام والشراب بلا خمر لا قبله ولا فيه ولا بعده؟ وما هي تلك الحركات والكلمات والطقوس التي يؤدونها معا في نفس الوقت؟ من أي كوكب هبط هؤلاء؟

مرت ساعتان تقريبا، من الكلام الجميل والضحك والسمر، ثم قام الجميع لممارسة تلك الطقوس مرة أخرى، لكنها كانت أطول هذه المرة. وبعد قليل، وجدت سارة أن الجميع يلتف حول التلفاز، ويستعدون ناظرين إلى ساعة الحائط، تساءلت سارة عن السبب، فقالت هايدي أنه موعد برنامج تليفزيوني يتابعونه بشكل دوري لا يهملون حلقة واحدة فيه.

بدأ البرنامج وسط صمت غريب من العائلة، وإذ بالشاشة تعرض وجه شاب بشوش الوجه، كثير الابتسام، يتحدث بالعامية لا الفصحى، بأسلوب سهل يسير، وكان موضوع حديث هذه الحلقة ............ يتبع