سارة (قصة قصيرة) ٢-٢

بدأ البرنامج وسط صمت غريب من العائلة، وإذ بالشاشة تعرض وجه شاب بشوش الوجه، كثير الابتسام، يتحدث بالعامية لا الفصحى، بأسلوب سهل يسير، وكان موضوع حديث هذه الحلقة عن الحجاب.

يبدو أن الداعية قد استحضر نية الإخلاص بينه وبين الله في هذه الحلقة، فقد كانت كل كلمة تجد طريقها نحو قلب سارة مباشرة، وكانت كل عبارة تعزف على أوتار قلبها أغاريد الإيمان، وكانت كل آية ينطقها تحملها الملائكة قبل الأثير إلى أعماق روحها، وكان كل نداء يناديه للمؤمنات في الحلقة تسمعه هي (يا سارة)، فنزلت كلمات الحلقة نزول جمرة نار وسط كومة من القش، فأشعلت روح الإيمان في قلب سارة، وثار لهيب الحرقة على ما مضى وكان منها، واستعرت نار الغضب على ما اقترفت يداها.

وبينما هايدي وعائلتها كل مشغول بالمشاهدة، لا تعدو عينا أحدهم عن الشاشة، إذ بسارة تهتز ارتجافا، وترتعش جنباتها كأنما ألقي بها في بئر متجمد جدرانه من جليد سميك نحتت. ما التفت أحد منهم ليرى ما يحدث إلا فور سماعهم صراخ سارة: (غطوني)، كان نحيب سارة يعلو ويعلو وما ينطق لسانها إلا (غطوني).

رأى جميعهم توبة أناس من قبل، لكنهم لم يرو مثل ما رأو من حال سارة. طلبت هايدي أن تصعد سارة معها إلى غرفتها حتى تختار ما تلبسه، لكن سارة وكأنما تخشب جسدها وتصلد، أبت أن تحرك ساكنا، أبت أن تقوم من مقامها أو تخطو خطوة واحدة دون أن تغطي جسدها، جسدها هذا الذي باعته من قبل لهذا وذاك بثمن بخس، دراهم معدودة.

جاءت هايدي ببعض ملابسها تغطي سارة، وسألت سارة عن كيفية الاتصال بهذا الداعية، فكان بريده الالكتروني معروفا، وكان أحدث وسيلة آنذاك، فكتبت له سارة تحكي لها ما كان منذ العاشرة وحتى الآن، واستفسرت عما تفعل.

وكأن الله قد اطلع على قلبها فسخر لها كل شيء. كان الداعية عادة ما يطبع الرسائل ثم يقرأها تباعا، وبعد طباعة رسائل هذا اليوم قرر تأجيل قراءتها حتى ينتهي من عمل ما، لكنه وقد تعثرت قدماه، وطاحت الأوراق يمنة ويسرة، وسقط على الأرض، إذ بعينيه تقع أول ما تقع على رسالة سارة، فقرأها توا، وأسرع إلى جهاز الحاسب ليرد عليها فورا.

ولما كانت الرسالة باللغة الإنجليزية، فقد كان الحوار بالإنجليزية طبعا. نصحها أن تبدأ توبتها بالصلاة، فقالت: "وما الصلاة؟"، كاد الداعية أن يغشى عليه من العجب! قال: "تتوضئين ثم تصلين يا ابنتي"، قالت: "وما الوضوء؟"، ظن الداعية أنها غير مسلمة حينذاك، لكنها أكدت أنها عرفت نفسها مسلمة منذ طفولتها، لكنها لا تعلم عن دينها سوى الاسم لا غير.

شرع الداعية يشرح لها كيف تتوضأ وتصلي، وتقرأ الفاتحة وقصار السور، وسارة بالطبع لا تعلم عن كل ذلك شيئا، فلما أخبرها الداعية أن القرآن لا بد أن يكون بالعربية، صدمت سارة، فهي ما قرأت ولا كتبت بالعربية يوما، فاضطر أن يكتب لها كل ذلك بالحروف الإنجليزية حتى تستطيع قراءتها في الصلاة.

تعلمت سارة الصلاة، ونصحها الداعية أن تظل في بيت هايدي حتى تستقر أمورها، لكن سارة كان لها رأي آخر. رأت سارة في نفسها عزيمة تجتث الجبال من جذورها، فقررت أن تعود حيث بدأت رحلة ضياعها، إلى لاس فيجاس.

عاهدت سارة الداعية أن تراسله يوميا، ورجته ألا يكسل عن أمرها، وأن يكون عونا لها في توبتها. كأن يومها الأول حين بدأت توبتها في بيت هايدي، وحين بدأت مراسلة الداعية والتواصل معه. وكان اليوم الثاني حيث عادت إلى شقتها، لتبدأ رحلتها إلى الله، بمواجهة كل ما أبعدها عن ربها يوما، كأنما أرادت أن تدخل ساحة حرب، تقاتل فيها كل عدو خذلها يوما، أو أضلها حينا من الدهر، أو أعمى عينيها عن طريق الحق والنور، أو سجنها في غياهب جب ظلمات الجهل والضلال.

شقت سارة طريقها نحو الله بخطوات واثقة متسارعة، لم يهدأ لها بال، ولم يغمض لها جفن عن كسل، ولم يفتر لها عزم، فكانت رسائل سارة كطرقات ملهوف مستغيث على باب يحميه من عدو يلاحقه، لا تهدأ عن الطرق:

* اليوم أكرمني الله وتركت الملهى عن غير عودة.

* اليوم وفقني الله فطردت رفيقي في الشقة إلى غير رجعة.

* اليوم قوى الله إرادتي فأقلعت تماما عن الشراب وألقيت ما بقي منها في مقلب القمامة.

* اليوم رزقني الله عملا حلالا في مطعم متواضع، لا أقرب فيه الخمر أو المسكرات.

* اليوم علمني الله من كلامه، فحفظت فاتحة الكتاب وبعض قصار السور.

* اليوم هداني الله بفضله إلى ارتداء الحجاب الشرعي، وصار جسمي حراما، لا أسمح لأحد أن يرى منه شيئا.

* اليوم توكلت على الله واشتريت بعض الكتب الإسلامية باللغة الإنجليزية، لأتعلم عن ديني، وأقتل جهلي به الذي رماني في الظلمات عقدا من الزمن.

* اليوم شرح الله صدر صديقة لي، فاستمعت إلي، وراحت ترافقني في دربي نحو الجنة.

كانت رسالة اليوم العاشر إيذانا بانتقال سارة إلى مرحلة جديدة تماما، مرحلة متقدمة نوعيا، مرحلة صارت فيها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهي تحول ما أسرعه، وما أعظم الله الكريم الذي هدى إليه وأذن به، حتى أن الداعية طلب من سارة أن تتمهل في خطاها، حتى لا تتعثر بعثرة العجلة، أو الفتور بعد همة. لكن سارة كانت ريحا عاتية لا تثبت أمامها عقبة.

لكنها كذلك كانت الأخيرة من سارة! توقفت الرسائل فجأة في منتصف الأسبوع الثاني فقط من بداية رحلتها، وازداد قلق الداعية وزوجته التي كانت تتابع سارة في كل خطوة تخطوها، وتدعو لها بظهر الغيب على الدوام.

لم يكن لدى الداعية وسيلة أخرى يعرف بها عن سارة، فازداد قلقه كلما مر يوم دون خبر منها، وراحت الظنون تلعب بعقله، حتى خشي أن تمر سارة بفترة ردة، أو فتور على الأقل. لم يطمئن له بال هو وزوجته حتى وصلته رسالة في بداية الأسبوع الثالث، كانت الرسالة من بريد سارة الالكتروني، لكنها لم تكن بتوقيع سارة، كانت بتوقيع (جمانة) صديقة سارة التي دعتها ولبت دعوتها واستجابت لنصحها وصحبتها في طريقها إلى الله.

كانت الرسالة باختصار: "إن سارة مريضة، قضى الله ابتلاءها بالسرطان في مرحلة متقدمة، وقدر لها أن تلزم الفراش فجأة، وسوف تجري عملية جراحية خطيرة المآل خلال أيام، وهي في مرضها لا يزال لسانها رطبا بذكر الله، لا تمل من الاستغفار والبكاء بين يدي الله، تدعو ربها ليل نهار، وترجو منك ومن كل من تبلغه قصتها أن يكون دعاؤهم لها: "اللهم اقبض أمتك سارة على هذا الحال من التوبة، وتقبلها في عبادك التائبين، واختم لها بقلب مقبل عليك، ولسان رطب بالشهادتين بين يديك،"

وعدت جمانة أن تكون الوسيط في الرسائل، وكان الداعية حريصا على أن تصل قصة سارة إلى أكبر عدد من المسلمين، وكان تجاوب الناس ممن علموا عن سارة رائعا، ولما علم الكثيرون موعد العملية عزموا على الدعاء لها بما أحبت وأوصت به، حتى بلغ عدد الذين راسلوا الداعية وأكدوا دعاءهم لسارة مئات الألوف، مئات الألوف من القلوب توحدت على الدعاء لهذه الفتاة التائبة، وربما كانت تلك علامة وبشارة.

حتى إذا انتصف الأسبوع الثالث من الرحلة المباركة، كان موعد إجراء العملية الجراحية، فكانت الرسالة الأولى: سارة تستعد لإجراء العملية وتسألكم الدعاء، ثم كانت الرسالة الثانية: سارة دخلت غرفة العمليات، وبعد ساعتين تقريبا، كانت الرسالة الثالثة والأخيرة: سارة في ذمة الله.