قصص ودروس "١٧" يتبع

راحت الشجرة تفكر كيف تساعد حبيب قلبها في محنته، فرأت أنه لا بد لها من التضحية، فقالت له؛ يمكنك قطع أغصاني، ومنها تملك الخشب لبناء منزل لك ولأولادك، فطار الشاب فرحا بهذه التضحية منها، وما كان منه إلا أن شرع في قطع كل أغصان الشجرة، ولم يترك منها واحدا، ثم ذهب مرة أخرى، وبنى منزلا من تلك الأغصان، ففرح وفرحت أسرته، لكنه ترك الشجرة وحيدة حزينة.

ثم عاد "الرجل" بعد سنوات، كان ذلك في يوم شديد الحر من صيف قاس، فطارت الشجرة فرحا لمرآه بعد جفاء طويل، فلم تملك نفسها من الفرحة وقالت؛ هلم العب بجانبي هنا، نعم فقدت ثماري، وأغصاني وما فوقها من أوراق، لكنني ما زلت أملك جذعا ضخما، فالعب حوله إن شئت.

لكن "الرجل" قال لها؛ قد صرت رجلا، أحتاج إلى قارب للإبحار يساعدني في الاسترخاء. لم تجد الشجرة حلا إلا التضحية بباقي حياتها، فعرضت على الرجل أن يقطع "جذعها" فهو ضخم ويكفي لصنع قارب له، فوافق على الفور، وقطع الجذع وراح يبني قارب الاسترخاء خاصته.

مرت سنوات كثيرة هذه المرة، وكان الجفاء شديدا على الشجرة التي ضحت بكل ما تملك، واشتد حزن الشجرة، فلم يبد على الرجل أنه يشتاق إليها أبدا، ولم يكن يزورها إلا لحاجة،

حتى أنه لما عاد إليها في المرة الأخيرة كان قد كبر سنه ووهن عظمه، فأتى إلى الشجرة يشكو ضعفه.

فشاركته الشجرة أساه وحزنه، لكنها قالت؛ لم يعد لدي تفاح أمنحك إياه تأكله، ولست أملك ورقا وأغصانا تستظل بظلها، ولا حتى جذعا تستند إليه، ولم يعد لدي إلا تلك الجذور المسكينه فوقها سقف بسيط مما بقي من جذعي، بعد أن منحتك كل ما لدي من قبل، ولم أبخل يوما عليك حتى بأعز ما أملك.

شعر حينها الرجل بالخجل مما كان منه طوال عمره، فقد كان دائما يطلب من الشجرة، وكانت دائمة العطاء له، وكان دائم الهجر حين الاستغناء عن خدماتها، وكانت دائمة الشوق له، وكان دائم الأخذ، بينما كانت هي غاية في التضحية، لكنه لم يشعر بقيمة ما قدمته له إلا حين صار هرما ضعيفا شارف على الرحيل، فات الأوان.