كذب أم تجمل؟

لماذا لا يطيعنا أبناؤنا؟ لماذا لا يقتدون بنا؟ لماذا نحكي لهم كم كنا مطيعين مؤدبين متميزين متفوقين، ثم لا يسيرون على خطانا؟

الجواب ببساطة شديدة: لأننا نكذب!

هم في قرارة أنفسهم على يقين من كذبنا، لكنهم يستحون أن يصارحونا بذلك، أو ربما يودون أن يصدقوا فعلا، فهم يريدون أن يفتخروا بنا على كل حال.

كيف يعرفون اننا نكذب؟ الأمر بسيط، نحن وسط كذباتنا التي لا تحصى ننسى أنفسنا فنبالغ، وتكون المبالغة هي اول مسمار في نعش الكذب خاصتنا.

كنت دائما الأول على الصف، أو الثاني، كنت دائما مطيعا للوالدين بارا بهم، لم أخالف لهما أمرا يوما ما، كانت كلمات مثل "نعم" و"حاضر" لا تفارق لساني، كنت أقدم رغباتهم على رغباتي وأحلامي، لم أكسر لهما خاطرا أبدا، ولم أحزنهم في أي مناسبة، وكنت مثلا يحتذى، الخ الخ.

يقابل أبناؤنا رفاقهم، فيسمعون منهم نفس القصص الخيالية، فيتساءلون ببساطة: لو صدق الجميع لكان المجتمع فاضلا مثاليا، وهذا ما لم نسمع به، وكيف تغير فجأة بهذا الشكل؟ هل نحن لعنة هذا الزمن حتى يتغير تماما خلال جيل واحد؟

ثم يتساءلون مرة أخرى، وأيضا بمنتهى البساطة: لو أن كل هؤلاء الآباء بين الأول والثاني، فمن كان الثالث؟! ولماذا وكيف كان الجميع متفوقا ومؤدبا؟ وكان الجميع ما شاء الله قدوة، فمن كان يقتدي بهم؟

ثم يتساءلون مرة ثالثة وهي قاصمة الظهر: لما كان أبي الأول فكيف فاتته كليات القمة؟ كيف هو الآن معلم او محاسب او محامي او موظف؟ كيف؟ ولما كان الأول في الجامعة فلم لا يعمل بالجامعة؟ وأين شهادة تخرجه؟ لماذا تواضع لدرجة ان يخفيها ولا يضعها في إطار ليعلقها إلى جانب الإطارات على جدران بيتنا؟ ولما كان متفوقا بهذا الشكل فلم لغته العربية ولغته الإنجليزية بهذا التدني؟ ناهيك عن العلوم والرياضيات التي لا يفقه فيهما شيئا، إضافة إلى التاريخ والجغرافيا اللتين كلما سألته عنهما تأكدت أنه ربما لا يحوز إلا حفنة من قشور كليهما؟

كل هذه التساؤلات عن الجانب العلمي فقط، اما الجوانب السلوكية والرياضية وغيرهما فحدث ولا حرج من وجود شواهد تكذب كل ادعاءات الآباء، الذين يظنون أبناءهم قد أعماهم حبهم لآبائهم فثبطهم عن البحث عما يكذبهم!!!


وللحديث بقية