لغتنا الجميلة (89)

ولغتنا الجميلة لها أعلام ورموز لا ولن ينساها التاريخ، ربما لا يغفل عن أسمائهم عاشق للعربية، حري بنا أن نعرف عنهم حتى لو كانت معرفتنا قليلة، لكن جهلنا بهم لا عذر يبرره.

من هؤلاء الأعلام وربما أشهرهم هو إمام النحاة وحجة النحويين، وأول من بسط علم النحو، وصاحب الكتاب حجة العربية ودستورها، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر الملقب "سيبويه".

وهو فارسي الأصل، وُلِد عام (140هـ) على الأرجح، وذلك في مدينة البيضاء من أرض فارس، قَدِم البصرة وهو غلام صغير، فكانت نشأته بها، حيث مراكز العلم ومنابر العلوم، وقد كان شابًّا حسنًا، جميلاً نظيفًا، مفرط الذكاء.

ومع حداثة سنِّه فقد انطلق يصحب أهل الحديث والفقهاء حيث ميله ومراده، وبينما هو يستملي على حماد قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أحد من أصحابي إلا وقد أخذتُ عليه ليس أبا الدرداء". فقال سيبويه: ليس أبو الدرداء بالرفع. وقد خمَّنه اسم ليس. فقال له حماد: لحنت يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبت، إنما (ليس) ها هنا استثناء. فكان أن أَنِف سيبويه من ذلك وقد أخذ قراره، فقال: لا جرم لأطلبَنَّ علمًا لا تلحنني فيه أبدًا. فطلب النحو، ولزم الخليل بن أحمد الفراهيدي.

عمد سيبويه إلى إمام العربية وشيخها الخليل بن أحمد الفراهيدي؛ لينهل ويتعلم منه عن حبٍّ وعزيمة وقوة إرادة، فصار يلازمه كالظلِّ حتى لقد بدا تأثره الكبير بشيخه هذا على طول صفحات كتابه الوحيد وعرضه في رواياته عنه، واستشهاداته به.

ولم يكتف سيبويه بشيخه الخليل بن أحمد في علوم النحو والعربية، بل إنه استزاد من ذلك شأن أقرانه في ذلك الوقت، فتتلمذ أيضًا على يد أبي الخطاب المعروف بالأخفش الأكبر، وعيسى بن عمر، ويونس بن حبيب، وأبي زيد الأنصاري النحوي، وغيرهم.

لأن القدر لم يمهله طويلاً حيث تُوُفِّي في ريعان شبابه، فلم يكن لسيبويه تلاميذ كثيرون،

قال ابن عائشة: "كنا نجلس مع سيبويه النحوي في المسجد، وكان شابًّا جميلاً نظيفًا، قد تعلق من كل علم بسببٍ، وضرب في كل أدب بسهمٍ، مع حداثة سنِّه وبراعته في النحو".

وقال عمرو بن عثمان: قد رأيته وكان حدث السن، كنت أسمع في ذلك العصر أنه أثبتُ مَن حمل عن الخليل، وقد سمعته يتكلم ويناظر في النحو، وكانت في لسانه حُبْسة، ونظرتُ في كتابه فرأيت علمه أبلغَ من لسانه".

قال صاعد بن أحمد الجياني: "لا أعرف كتابًا أُلِّف في علم من العلوم قديمها وحديثها فاشتمل على جميع ذلك العلم، وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب، أحدها: المجسطي لبطليموس في علم هيئة الأفلاك، والثاني: كتاب أرسطوطاليس في علم المنطق، والثالث: كتاب سيبويه البصري النحوي؛ فإن كل واحد من هذه لم يشذّ عنه من أصول فنِّه شيء إلا ما لا خطر له".

وقال أبو جعفر: "لم يزل أهل العربية يفضلون كتاب سيبويه". وقال محمد بن يزيد‏:‏ ‏"لم يُعمل كتاب في علم من العلوم مثل كتاب سيبويه؛ وذلك أن الكتب المصنَّفة في العلوم مضطرة إلى غيرها، وكتاب سيبويه لا يحتاج مَنْ فَهِمَه إلى غيره‏".

وأغلب الظن أن وفاة سيبويه لم تكن طبيعية؛ فإنه حين علم (بعد مناظرة الكسائي) أنهم تحاملوا عليه وتعصبوا للكسائي، خرج من بغداد وقد حمل في نفسه لما جرى عليه، وقصد بلاد فارس ولم يعرج على البصرة، وأقام هنالك مدةً إلى أن مات كمدًا، ويُروى أنه ذَرِبتْ معدته فمات. وفي مكان وفاته والسنة التي مات بها خلافٌ عريض، والراجح من الأقوال أن ذلك كان في سنة (180هـ). وذكر الخطيب أن عمره كان اثنتين وثلاثين سنة، ويقال: إنه نَيَّف على الأربعين سنة. وهو الصحيح.

وفي مرضه الذي تُوُفِّي فيه، قيل إنه تمثَّل عند الموت بهذين البيتين:

يُؤَمِّل دنيا لتبقي لـه

فمات المؤمِّـلُ قبل الأمـلْ

حثيثًا يروِّي أصولَ النخيل

فعاش الفسيلُ ومات الرجل

ويقال: إنه لما احتضر وضع رأسه في حجر أخيه، فدمعت عين أخيه، فاستفاق فرآه يبكي فقال:

أخيين كنَّا فَرَّق الدهرُ بيننا

إلى الأمدِ الأقصى ومن يأمنُ الدهرا

وقال الأصمعي: قرأت على قبر سيبويه بشيراز هذه الأبيات، وهي لسليمان بن يزيد العدوي:

ذهب الأحبة بعد طول تـزاورٍ

ونأى المزار فأسلمـوك وأقشعـوا

تركوك أوحش ما تكونُ بقفـرة

لم يؤنسوك وكـربة لم يدفعـوا

قَضَى القضاءُ وصرتَ صاحبَ حفرةٍ

عنك الأحبة أعرضوا وتصدَّعوا.