لغتنا الجميلة (٩٠)

نعيش خلال هذه السطور نبذة مختصرة من سيرة أحد عظماء لغتنا العربية الجميلة. هو أبو الفتح عثمان بن جِنّي الموصلي النحوي اللغوي، من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف، وصاحب التصانيف الفائقة المتداولة في اللغة.

كان أبوه (جني) عبدًا روميًّا مملوكًا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي، ولم يُعرف عنه شيء قبل مجيئه الموصل، وإلى هذا أشار ابن جني نفسه بقوله في جملة أبيات:

فإن أصبح بلا نسب

فعلمي في الورى نسبي

عـلى أني أءول إلى

قرومٍ سـادة نجـب

قيـاصرة إذا نطقوا

أرَمّ الدهـر ذو الخطب

أولاك دعا النبـي لهم

كفى شرفاً دعاء نبي

وكانت ولادته بالموصل، عام ٣٢٢هـ وفيها قضى طفولته وتلقى دروسه الأولى، وأقام بعد الموصل ببغداد، وظل يدرس بها العلم إلى أن توفي عام ٣٩٢هـ، وكان له من الولد: علي وعالٍ وعلاء، وكلهم أدباء فضلاء، قد خرجهم والدهم وحسن خطوطهم، فهم معدودون في الصحيحي الضبط وحسني الخط.

صحب ابن جني أبا علي الفارسي أربعين سنة، ولزمه وسافر معه وسكن بغداد، واعتنى بالتصريف، قال ياقوت: "فما أحد أعلم منه به ولا أقوم بأصوله وفروعه، ولا أحسن أحد إحسانه في تصنيفه". ولما مات أبو علي الفارسي تصدر أبو الفتح ابن جني في مجلسه ببغداد، وكان قد صنف في حياته، وأقرأ بها الأدب، وقد أخذ عنه الثمانيني، وعبد السلام البصري، وأبو الحسن السمسمي، وقام أيضًا بالتدريس لأبناء أخي الحاكم البويهي.

هذا، وقد كان لابن جني علاقة خاصة بأبي الطيب المتنبي، فقد صحبه دهراً طويلاً، وقرأ عليه ديوانه ثم شرحه بعد ذلك ونبه على معانيه وإعرابه، قال ابن خلكان: "ورأيت في شرحه قال: سأل شخص أبا الطيب المتنبي عن قوله:" بادٍ هواك صبرت أم لم تصبرا" فقال: كيف أثبت الألف في "تصبرا" مع وجود لم الجازمة، وكان من حقه أن يقول "لم تصبر"؟ فقال المتنبي: لو كان أبو الفتح ها هنا لأجابك، يعنيني، وهذه الألف هي بدل من نون التأكيد الخفيفة، كان في الأصل "لم تصبرن"، ونون التأكيد الخفيفة إذا وقف الإنسان عليها أبدل منها ألفًا، قال الأعشى: "ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا" وكان الأصل فاعبدن فلما وقف أتى بالألف بدلاً". فكان المتنبي يحترم ابن جني كثيرًا ويجله ويقدره، وكان يقول عنه: "هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس"، ولتمكّن ابن جني من شعر أبي الطيب قال عنه أبو الطيب: "ابن جني أعرف بشعري".

وكانت لابن جني رحلات إلى بلاد كثيرة في طلب العلم ومشافهة العلماء والشيوخ بالعراق والموصل والشام، وغير هذه البلاد. وكان من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف، إلا أن علمه بالصرف كان أقوى وأكمل من علمه بالنحو، بل لم يكن في شيءٍ من علومه أكمل منه في التصريف، ولم يتكلم أحد في التصريف أدق كلامًا منه.

لم يكن ابن جني إمامًا في النحو والصرف فقط، ولم يكن من العلماء الذين يقتصرون على مجالس العلم والتعليم، أو حتى التأليف، إنما كان ابن جني كمن يريد أن يملك نواصي اللغة، فهو إلى جانب ما سبق يعد من أئمة الأدب، جمع إتقان العلم إلى ظرف أهل الكتابة والشعر، وهو الأمر الذي جعل الثعالبي ينعته في يتيمة الدهر بقوله: "إليه انتهت الرياسة في الأدب"، وقال الباخرزي في دمية القصر موضحًا: "ليس لأحدٍ من أئمة الأدب في فتح المقفلات، وشرح المشكلات ما له؛ فقد وقع عليها من ثمرات الأعراب، ولا سيّما في علم الإعراب".

وإضافة إلى ذلك فقد كان لابن جني ملكة الشاعر وحسه، حتى إنه ليقرض الشعر وينظمه بما يعبر عن حسن تأتِّيهِ في الصنعة على طريقة شعراء دهره، وقد قال الثعالبي: "وكان الشعر أقل خلاله لعظم قدره، وارتفاع حاله".

ما إن يذكر ابن جني حتى يشرد الذهن عفو الخاطر إلى كتابه الشهير "الخصائص"، وبالمثل إذا كان الحديث عن "الخصائص" فإنه يذهب إلى مؤلفه ابن جني، والخصائص هذا هو أجلّ تآليف ابن جني التي أبر بها على المتقدمين وأعجز المتأخرين، وهو كتاب في أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه، احتذى ابن جني في مباحثه النحوية منهج الحنفية في أصول الفقه، وقد بناه على اثنين وستين ومائة بابا.

في بغداد، وفي خلافة القادر، وتحديدًا يوم الجمعة لليلتين بقيتا من صفر، سنة (٣٩٢هـ) رحل ابن جني عن دنيا الناس، تاركًا مؤلفاته وذخائره العلمية تتحدث عنه، وتحييه بينهم من جديد.