ليلة العيد

انقضت ساعات عرفات، وذهبت مودعة إلى عام آخر، وأقبلة ليلة العيد بما فيها من فرحات، فرحة بعطايا ربنا الرحمن الرحيم في وقفة عرفات، وفرحة بالتعرض لنفحات الله في أيامه المباركات، وفرحة بحضور الأهل والأحباب معا في تلك اللحظات، وفرحة باستعداد الأطفال ومدى شوقهم إلى فجر العيد وما يليه من ساعات جميلات، وفرحة بأن كتب الله لنا أن نكون أحياء هذا العام ونعيش أجمل المناسبات، نسعد فيها بتبادل الزيارات، ونقابل الأحباب والمعارف في الطرقات، ونسلم عليهم فتتساقط من أيدينا السيئات، ونفرح بلقيا الأطفال في كل مكان يترقبون العيديات، ويطلقون بكل براءة من قلوبهم الضحكات، وتطغى أجواء السعادة والفرحة وتنتشر البسمات.

كل هذا نحلم به من هذه الليلة، وأشدنا حلما وانشغالا هم الأطفال بالتأكيد، وربما الأرحام المقطوعة، تتأمل أن تتلقى الزيارات والاتصالات التي لا تكون إلا مرتين في العام، مرت أولاهما منذ سبعين ليلة، وهذه الثانية ليتم العام باثنتين يتيمتين. كذا هؤلاء المساكين الذين يبتغون الرزق الحلال، من بيع الألعاب أو الحلويات، أو وسائل الترفيه الشعبية الفولكلورية التي لا تظهر ولا تحيا إلا في هذه الأيام، أو أصحاب وصانعي الأكلات الشعبية المرتبطة بالأعياد، وغيرهم ممن لا يتنعمون بالقروش تحيا وتنتعش بين أصابعهم إلا في تلك المواسم السعيدة.

ربما يخالف كل تلك الأجواء هذا الرجل المسكين، صاحب الزوجة والعيال، الذي يفكر في مسؤولية هذا اليوم، حيث على كاهله "تمويل" كل تلك الطقوس، وعلى كتفه وحده تنفيذ كل تلك الأحلام، وهو يحمل الهم والغم وحده، يتخيل كل ما قلنا ثم يسأل نفسه: "من أين لك هذا؟" يغتم كيف يتأتى له أن يحقق كل ذلك دون أن يقصر في مهامه ومسؤولياته الأخرى، أو ربما ممن يقترض حتى يتمكن من دفع المطلوب ليسعد أبناءه فلذات أكباده، وكيف له أن يقنعهم بموقفه المالي في يوم تعم المصروفات والإنفاقات كل حركة وسكنة، حتى إذا أقنعهم، فما ذنب هؤلاء الصغار ألا يحيو طفولتهم، لماذا يكبرون قبل أوانهم، ثم يشيبون وهم شباب بعد ذلك، أي ذنب اقترفوه؟

هذا المسكين نتوجه إليه بتلك الرسالة الليلة، جدد النية، اعقد العزم ألا تحرم هؤلاء المساكين من فرحتهم، ما استطعت إلا ذلك سبيلا، لا توبخهم فتمتعض قلوبهم فيستقبلون الفرحة بقلب مكسور، لا تنس أنهم يبنون ذكرياتهم الآن، سوف يذكرون كسرة قلوبهم وينسون السبب، سوف يذكرون حرمانهم من الفرحة ويغفلون عما وراءه، احذر أن تنحت في قلوبهم ذكريات تعجز عن طمسها لاحقا، وتلك الرحم المقطوعة، هي على قيد الحياة اليوم، صلها قبل أن يأتيها الأجل فتندم، هذه فرصتك فاغتنمها، وتلك الأجواء عامل مساعد ومعين رائع أن تصفي ما في القلوب فلا تضيعه هباء، توكل على ربك، وجدد النية والعزم والعهد، وعلى الله التوفيق، هو أعلم بحالك، وأرحم بك من نفسك، ولن يضيعك ما دمت مخلص النية نقي القلب. وكل عام وأنتم بخير، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.