نحو سينما هادفة ٢

الحب عاطفة إنسانية جبلية فطرية جميلة، لكنها لا تنحصر في الجنس. المال من زينة الحياة الدنيا وصاحبه في نعمة من ربه، لكنه لا يستلزم احتقار الفقراء. والفقر والحاجة يعاني منها أغلب البشر، لكنه لا يعني الحقد والحسد. والسلطة رزق وهبة ومنحة من الله، وربما فتنة، لكنها لا تستلزم الظلم والقهر والفساد.

نعم حب النوع الآخر يتضمن الرغبة في الجنس، لكن تصوير الحب وتضييق مظاهره على الجنس تشويه لهذا المعنى الجميل، ولو كان المجتمع فيه تلك النماذج، لا ضير، فليس يوتوبيا، ولكن توسيع تلك الدائرة تشويه للمجتمع، ودعوة للتماشي مع التوجه العام الذي ترسمه السينما.

المال نعمة، وربما نقمة، لكن ليس كل غني لصا أو فاسدا أو مرتشيا أو خارجا عن القانون. هناك الذي ورث عن أبيه، وهناك الذي باع ملكا أو حرزا كان في حيازته، ومنهم من جاهد وكافح وحاز الغنى. نعم هناك اللصوص والفاسدون والمرتشون وتجار الكيف والبشر، لكن تصوير السينما للغنى في كثير من الأحيان يوحي للمشاهد أن الطريق إلى الغنى غالبا ما يكون على حساب القيم والمبادئ، وفي ذلك تشويه وتضليل.

والفقر مشكلة لا جدال، لكن الفقراء في السينما غالبا ما يكونون بين فقير حاقد على الأغنياء فيصمم على الغنى والانتقام، أو قنوع بما قسم الله له نعم، لكن يتم تصويره بصورة الساذج المسكين كثيرا، فيدعو المشاهد لا شعوريا إن يرجو الفقير "الساذج" أن يفيق من غيبوبته العقلية وأن يكون عاقلا فاهما للدنيا كيف تدور رحاها.

والسلطة منحة ربانية، وربما تكون فتنة، ومن أصحاب السلطة صالحون وفاسدون، ويجب تصوير ذلك دون تشويه أو تزييف، لكنه من المفارقات المضحكة أن السينما لم تدخر وسعا في تصوير أصحاب السلطة بالعدل والنزاهة والعفة والطهارة والوطنية والإخلاص في الغالب الأعم من الأعمال الفنية، في الوقت نفسه الذي شوهت كل المعارضين على اختلاف مشاربهم، ولم تترك فئة من المجتمع لم تقم بتشويه صورتها وحقيقتها، بينما كانت حريصة أشد الحرص على اختلاف أنظمة الحكم أن تظل صورة السلطة صافية نقية. لم يشذ عن ذلك إلا أعمال معدودة، ومن المفارقات المضحكة أيضا أن تلك الأعمال ام تكن إلا نكاية في أنظمة سابقة للنظام الراعي للعمل، فانتفت الشفافية وانتفى الصدق فيها للأسف، حتى أنها لم تحظ من الرواج والشيوع ما حظيت به الأعمال الأخرى التي "تطبل للنظام".

...... يتبع