نحو سينما هادفة ٣

لذا لم لا نرى سينما هادفة؟ سينما بلا تدمير، سينما بلا إثارة للشهوات، سينما بلا تشويه للحقائق، سينما بلا نخر في عظام البنية الأخلاقية، سينما بلا توجيه الولاءات نحو صاحب البلاط.

لا أجرؤ أن أحلم بسينما بناءة هادفة في المستقبل القريب، لكنني على الأقل يمكنني الدعوة إلى أعمال سينمائية معتدلة، وسطية، على الأقل لا تهدم، ولا تشوه، ولا تثير الغزائز، ولا توجه الولاء نحو أحد، أي أحد.

سينما لها ثوابت توافقية، أزعم أن الجميع يمكن أن يتفق على الحد الأدنى من الحق، الحق الذي لا لبس فيه، ولا اختلاف بشأنه، ولا فرصة لأحد أن يطعن فيها.

الوطن لا يقبل الخلاف على حبه وعلى الإخلاص له، سينما تنوع من أساليب حب الوطن، بما لا يقلل من احترام وتقدير الأوطان الأخرى لإخواننا في العروبة والإسلام. مصر مثلا أم الدنيا، وبلد الحضارة والأصالة، فيها من المزايا ما لا حصر لها، أمام السينما أن تمتدح كل هذه المزايا، لكن، ما الداعي أن تعلي من شأن مصر على حساب وطن آخر فيه إخواننا الأشقاء من العرب والمسلمين؟

والوطن يختلف عن المواطنين، حب الوطن لا يستلزم حب كل المواطنين، وبناء عليه، فإن الاختلاف في الرأي مع مواطن مهما كانت صفته لا تعني من قريب أو بعيد الاختلاف مع الوطن مصر. الولاء للوطن وليس للأشخاص، ولا حتى الهيئات. فانتقاد أعمال وزارة من الوزارات لا يعبر إطلاقا عن خيانة الوطن أو العمالة لدى أعداء الوطن أو تآمر على الوطن.

لا خلاف على القيم الإيجابية والصفات الحميدة، مثل الأدب والذوق وعفة اللسان والاحترام والحشمة والقراءة والاطلاع والاجتهاد في العمل والوفاء بالوعد والصدق والأمانة وغيرها. كلها صفات لا يختلف عليها اثنان في الوجود كله. لم لا تركز السينما على دعم تلك الصفات وعدم تشويهها أو محاربتها أو التحايل على مفاهيمها.

ولا خلاف كذلك على القيم السلبية والصفات الدميمة والسلوكيات الشائنة مثل الخلاعة والمجون والمخدرات والمسكرات والدعارة والسرقة والنصب والاحتيال والكذب والخداع والخيانة والفجور في الخصومة والغيبة والبهتان والتزوير وغيرها. لم لا تركز السينما على محاربة تلك القيم السلبية؟ أو على الأقل لم لا تتوقف عن الدعوة إليها عبر التزييف والتحوير والتزيين، وعبر تحديد أبطال الأعمال السينمائية من بين هؤلاء فيقتدي بهم المشاهد رغما عنه، نفسيا ووجدانيا على الأقل.

أزعم أن أعمالا سينمائية يمكن أن تنجح وأن تحقق إيرادات عالية جدا دون محاربة الحق أو الدعوة إلى باطل. لو انعقدت النية سوف تنجح تلك الأعمال بهذه المعايير لا شك.