إِنَّهاَ لَيْلَةُ التَّاسعِ وَالعِشرِينَ مِنْ لَيالِي رَمَضَان المُبَارك أنْهَيتُ التَّرَاويِحَ عَلى عَادتِي والكََآبةُ تُغَطِّي الجَسَدَ والقَلبَ بِغِشَاءٍ غَليظٍ فوْضَوِي بِه ثلَاثُ طَبقاتٍ آملٍ علَى إتْمَام طَبَقَته الرَّابعَة بعد رَمَضَان هَاته السَّنة .

اجْتمَعتُ مَع أَهْلي وبالطَّبع كَأيَّامِنا السَّالفَة ، بَقيَ الصَّمْتُ سَيَّدَ اللِّقَاء لنفْترِقَ كَسَابِقِ عَهدِنا علَى السَّاعة الحَاديَة عشر ونِصف فَيُمسِكَ كُلاَّ مِنَّا هَاتفَه ليَفرَّ إِلى عَالَمِه الحَالِك الخاص .

اسْتلقَيْتُ أَنا الأخْرَى أُغمِضُ عيْنايَ طوْعًا لأَسْرَح بِعالَمِي المَحْبوب حَيثُ الأملُ والودّ ، غفَوْت بلا دِرَايَة منِّي مَا يُقارب عَشْر دقَائِق لأصْحُو مِنْ جَديد علَى إحْسَاسٍ غَريبٍ دَافِئٍ يَكْسُو جَسَدي بكاَمِله يُلامِسُ كِلْتا يدَاي فَيحَرِّرُها بَارِدةً مُرْتعِشة كَيْ يَلِج دَاخلِي باحِثًا عنِ الصَّدر مُمزقا كلَّ مَا يعْتَرِضه مِن حزنٍ و ألمٍ إلَى أَن يَصِل مُبتغَاه فَيسْكُن ويطمئن .

بَصرتُ هاتفي لأرَى السَّاعة ، لاَ زاَلَ الوقتُ مُبَكِّرا ، إِنهَا الواحدة صَباحًا .

قُمْتُ مِنْ مَضجَعِي وَ الخَوْفُ يَمْلأُ أَركَانَ قَلبِي ، تَوضَّأتُ فزَالَ الخوْفُ مِن أيْسَري وَسَجدت فاطمأنت روحي ونفسي ، فتحت المصحف لأقرأ وردي اليومي وإذ بي في آية من سورة القدر (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر) استوقفتني هاته الآية ، إبتسامة خفيفة غزت ثغري فوهجت وجهي وأشرقته وتوردت كلتا خداي منها لتدق فكرة حميمة بعقلي تُعلمُني أن الله أيقضني و اصطفاني لقيام هاته الليلة " قومي وادعِ ربك علها ليلة القدر " رددت الآية مرارا وتكرارا من أعماق صدري والحقيقة أني كنت بكل مرة أقرأها كأني أحكيها أول مرة ،

كأنها آية نزلت الآن وفقط

كأني لم أرها من قبل

خشعت مع كل حرف بها وبكل كلمة فيها واحدة تلو الأخرى ....

أتممتها مرات عدة فرحة متهللة ، وبلا وعي ولا انتباه خطوت لواحة المنزل ، ألقيت بنظري في السماء وحدودها خِفية ففاضت عيناي دمعا وحبا خاشعة متأملة في خلقه عزوجل وإبداعه ، سماء صافية نقية تنبض إيمانا وعطفا ليس له نظير تحوي داخلها كمَّا غزيرا وفيرا من النجوم المتلألئة المضيئة ، نسيم عليل من هواها ينسج درعا نيِّرا فحواهُ السكينة والطمأنينة يحيطني من كل الجوانب فيحميني ويُسعدني ، قلبُها (بها شق) أبيض براق ٌ ناصع كثلج جديد على خلاف شطريها الأخريين ، ليلة هادئة باهية راقية لا قمر لها أنعشت روحي وآنستها وكسرت زوابع كآبتي فرممتها ردتني أكثر قوة وصلابة على ماكنت ، "اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني" ظلَّ هذا الدعاء حليفي حتى نهاية الليلة وبزوغ الفجر (اللهم تقبل) ..

أشرقت شمسها كقرص ذهبي خالية من الشعاع والوهج معلنة صباح قدرٍ سعيد " ليلته ليلة قدر