هَيَّا يَانَدَى اجْمَعِي أَغْرَاضَكِ وَدَعِينَا نَذْهَبْ ، تَأَخَّرْنَا عَلَى الوَاَلِدْ .

نَدى : صَبْرًا يَا أُمَّاهْ . 

الأُمّ : عَمَّ تَبْحَثِينْ ؟ 

ندَى: هَاتِفِي فَقَطْ ، لَمْ أَجِدْه ، 

كَلَّا كَلاَّ هَاهُو وَجَدْتُه .

الأُمّ : إِذَنْ ، أَغْلِقِي بَابَ المَنْزِل واتْبَعِينِي للسَّيارَة .

وأَشْرَفَتِ العَائِلةُ الكَرِيمَةُ  للسَّيارَةِ فَرِحَةً مُتهَلَّلة بِنُزْهَة اليَوْمِ الجَدِيد .

نَطقَتْ نَدَى : إلَى أَيْنَ رِحْلةُ اليَوْم ياَ أبَتِ ؟ 

الأب :  مُفَاجأَة يَا نَدَى القَلْب

ندَى : مُفَاجأَة ! 

وظَلَّتْ ندَى مُتَشبَّثة بنَافِذَة السيَّارَة ، تُلْقِي نَظَرَهَا في السَّاحَاتِ هُنَا وَهُنَاك ، لتعْلم وِجْهةَ أَبِيها إِلى أَين .

 وَبَينَما هيَ شَارِدةُ الذِّهْن أوْقَفَ الأَبُ  السَّيارَة  

وقال : هيَّا انْزِلي يَا ندى ! 

قاَلت : أَهُنا ؟ 

قاَلَ : نَعَم."مَرْحبًا بِكِ بُنَيتِي  في العَاصِمة العِرَاقِيّة بَغْدَاد".

تَوَسّعَتْ عَيناها وَبَدا الفرَحُ يَغمُر وَجهها 

الأب : أَلمْ تَقُولي أنَّك تَتوقين لزِيَارَتِهَا؟ 

قالت والبَسْمَة تُنير وَجهها  : بَلى . 

الأب : فلنذهب  لشَارعِ الخلِيفَة هَارُون الرَّشيد حَيث المَخْطُوطات القَديمة وَأهْلُ الأَدَبِ والثَّقافة .

شَبَّكَتْ نَدى كِلْتَا يَدَيْها بيَدَيْ وَالِدِها للذَّهابِ إِلى المَكَانِ المَقْصُودْ  سَارِدَةً لَهُ شَغَفَهَا بِالرَّشيدِ ومَا عَلِمَتْهُ عَنْهُ بالمَدْرَسَة .

وَصَلَ الأَبُ وَ نَدَى المَكان المَنْشُود ومَا لَفتَ انْتِباهُهُمْ لَحظَةَ الوُصُول  اجتِمَاعُ طَائِفَةٍ مِنَ النّاسِ علَى شيْخٍ تِسْعيني يهمِسُ لَهُم قصصًا وحكَايَات .

تَقدّمت نَدَى نَحْوَهُ وَ أَلْقتِ السّلام .

فرَدَّ : وعليكم السلام أهلاً وسهْلاً بُنيّتي . اجْلِسِي .

عَاجَلَتْهُ نَدَى بِالسُّؤَال : منْ أنْتَ يا عَمّ ؟ 

ردَّ قائِلاً : أَنَا العمّ أحْمَد أَحد جُنودِ الخَليفَةِ هَارُونْ الرَّشيد. 

تَبَسمت ندى وقَالَت ضاَحِكَة : سَأُزْعِجك اليَوم ههه يَظْهَرُ لِي أَنَّ في جعبَتِك العَدِيد من الحَكَايا عَنْه وعنْ عصْره أَو عَصْركم . 

قال : عَلى الرُّحبِ والسَّعة ، أنَا الآنَ كِتَابٌ مفْتوحٌ بَيْن يديك قلِّبيهِ كَيْفما شِئْت.

نَدَى : قلْ لي يا عم صِفَات  الرَّشيد هَارون  وَكم كان عُمره حين تَوَلَّى الخِلاَفة وَ بمَ تمَيّز عصره وَكُلِّي آذانٌ صاغِية ...

العم : آه يا بُنَيَّتِي مِنْ أَيْنَ أبْدأ 


هَارون كَانَ  الصَّدِيقَ الوَفِيَّ وَأقربَ النَّاسِ إِلى أَيْسَرِي ، وُلِدنا بنَفسِ المَكان  بِمدينة الري عَام 149 هـ ، تَوَلَّى الخِلافة وعمْره خمْسٌ وعِشْرون سنَة ، كانَ الرَّفيق التَّقي النَّقي كَثِيرَ الخُشوع والتَّديّن تميَّز بِفَصاحَةِ اللَّسَان والحكْمَة ، تَوَاضُعُه وَجُودُه مَا جَعَلَهُ مَحْبوبَ النَّاس في عَصْره ، كانَ عالِمًا بالأَدَبِ والفِقه مُثَقًَفاً ثَقَافَةً حُرَّةً واسِعة 


أمَّا عَصْرُهُ فقد سمَّيَ بالعَصْر الذهَبي  

ياَ بُنَيَّتِي إنَّه عصر الرّقي والإزدهار ..

فقَد كاَنَت فَترة الرَّشيد فترة آمِنَةً للدَّولَةِ ملِيئَةً بِالخَير والرَّخاء ، طَوَّر نَشاَط التِّجَارة الخَارِجِيَّة للدّولَة وَ حَقَّق للنَّهْضَة العِلمية والأَدَبية فأَنْشَأَ بَيت الحكمة ببغداد وَزَوَّدَها بِثُلَّةٍ مِن الكتب و المؤلفات من مختلف بقاع الأَرض ، تَطَوَّرت بعهده العُلوم خُصُوصاً الفِيزْياء الفَلَكية وَ التِّقْنِية

 . أَلَكِ دِرَاية بِسوقِ الوَرّاقين في بَغدادْ ؟؟ 

ندى : أجل 

العم : ذاك مكان أوَّل مَصْنَعٍ للورق ، والرشيدُ من عَمل على إنشاءه ، إهْتَمَّ بِجُلِّ المَجالات الثقافية العلمية الاقتصادية ... لَم ينْسَ الزِّراعة ولا كَافة الإصلاحات الدَّاخلية فقد اهتَم بالأولى وَطَوَّرَها حيث بَنَى الجُسُورَ وَ الجَداول بين الأنْهارِ و شيد الَمَساجد والقُصور وَحتّى الطُّرقات ،

 كان حَال البيئة على عَكْسِ مَاهِي الآن كانت  نَظِيفةً باهِية فإن أنت ألقيتِ بنظرك استشعرتِ راحة ً عجيبة بكلتا عينيك ، كذلك   شَجَّعَ التَّبادل التجاري بين الولايات ، وأسس أكبر مستشفى فِي عَصره سماه "مستشفى الرشيد " حمِل هذا المُسْتشفى في طَيّاته أمْهرَ الأَطباء وَ أَسْماهم ..

ندى : تُصَدَّقني يا عمّ قد اعتراني الذُّهول من كلامك هذا ليتني كنتُ معكم وشَهِدتُ ما رويته . لكن أود أن أعرف لِمَ سمّي الرشيد بالرشيد ياعم ؟ 

العم : لَقَّبَه والِدُه المهدي محمد ابن المنصور بهذا اللقب وهذا بعدما أرسله على رأس جيش كبير يحمل عددا كبيرا من الرجال ان لم تخنني الذاكرة  95793 رجل لغزو الروم وكان حينها يبلغ عشرون عاماً. وصلنا أنا وهو  وبقية الجنود  لخليج البحر المطل على القسطنطينة  وكانت تحكمهم أيرين الملقبة بأغسطه وكانت وصية على العرش لابنها قسطنطين البالغ من العمر تسع سنوات حينما رأت الحاكمة القتل في الروم قامت بطلب الصلح من الرشيد على أن تدفع له سبعين ألف دينار كل سنة، فقبل الرشيد ذلك.وعند عودته من  الغزوة إلى بغداد فرح والده المهدي بانتصار ابنه وأطلق عليه لقب الرشيد وأخذ له البيعة ليصبح ولي العهد بعد أخيه الأكبر موسى الهادي ويكون هارون الرشيد ولي العهد الثاني .

بعد هذا الكلام صمت العم قليلا وبدا على وجهه حزن وشوق للرجل الشجاع رفيق روحه .

قاطعت ندى صمته قائلة : يالك من رائع يا هارون ، حقا رجل بقدر جبل  ، بفضلك يا رشيد  قامت الدولة وانتشر فيها الدين الإسلامي وغدت بغدادُ قبلة للطلبة ومحلاَّ احبه العلماء والاطباء .....

- مازال بخاطري شيئ أود سؤالك عنه ؟ 

العم : سلي مابدا لك يا بنيتي 

ندى : نكبة البرامكة ، طالما سمعتُ بها لكن لا أعلم مافي جوفها هلاَّ رويت لي قصتها .

العم : البرامكة يا ندى هم أسرة يعود أصلها إلى مدينة بلخ ، كانو مجوسا ثم دخلوا الإسلام وينتسبون إلى جدهم الأكبر برمك وكثيرا ماحاولوا إبداء الفتنة والتدخل في أحكام الخليفة في أمور الدولة من غير حق فقام بإبادتهم والتخلص منهم . 

ندى : مهما عظُم الإنسان  إلا و فئة حقيرة تسري وراءه ، وكيف توفي الزعيم هارون ؟

العم : كان يوما مأساويا حقا فقدت فيه أغلى ما أملك ،توفي عن عمر يناهز 46 عاما بمدينة طوس  ، تعرض الرشيد لمرضٍ في بطنه لا شفاء له وبالرغم من ألمه وحالته الصحية المتدهورة إلا انه أخفى الأمر على الجميع . 

أنهى العم حديثه ب إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا رشيدُ لمحزونون 

رحمه الله وطيب ثراه وأسكنه فسيح جنانه ...