زاد خفقان قلب منى وهي ترى زوجها طريح الفريش ويوصيها بشيءٍ كلما رآها. ولم تعلم المسكينة أن الرجال يبالغون في الوصية ويقولون ما لا يفعلون ويوصون بما لا يطيقون ويجاملون من حملهم بوصيةً من خارج كتاب الوصايا أو بوصيةٍ يحرم على الموصى إليه تنفيذها. وها هي المسكينة تتلقى وصية أثقلتها وهي صاحبة المشاعر الخام والقلب النقي من زوجٍ أراد أن يخبرها بشكلٍ غير مباشرٍ أنه يحبها ومدينٌ لها برعايتها وصبرها عليه وعلى مرضه. أتدرون ماذا كانت الوصية؟ كانت الوصية أن تجعلهم يكفنونه في بدلة زفافه! 

ولأن الزوجة الكريمة تحرص على طاعة زوجها حيًا وتنفيذ وصيته ميتًا. هذا نوعٌ فريدٌ من البر لا يقدره حق قدره إلا الحكماء والمتسمين بالسخاء والعطاء والتفاني في علاقاتهم بالآخرين.. حرصت منى على تنفيذ الوصية وألزمتها نفسها بعد وفاة زوجها كما حرصت على رعايته في مرضه وهو في قمة ضعفه ووهنه. والحق يقال "لم تشتك الزوجة من طول مرض زوجها ولم تتخل عن مسؤوليتها في أحلك الظروف. وللأسف، لم يتعاف الزوج من مرضه ويأس الأطباء من علاجه بالفعل وأصبح في حالةٍ يرثى لها حتى مات؛ فانفطر قلب زوجته عليه. 

ورغم حزنها، كانت الزوجة أحرص الحريصين على تنفيذ الوصية. قدمت البذلة للمغسل، فلما رآها اعترض بشدة ورفض تلك الوصية بحجة أن الأمر صعب وغير ممكن. وعندها أقسمت الزوجة على تنفيذ وصية زوجها مهما حدث وعزمت على أن تفتح قبره بعد الدفن. يا لعقلها هذه المرأة!

لذلك، بعدما فرغ المشيعون من دفنه ذهبت زوجته إلى القبر وفتحته ونزعت عن زوجها الكفن وجاءت لتلبسه البدلة التي أراد أن يكفن فيها فكانت الصدمة التي حالت دون تنفيذ الوصية. لقد تجمد جثمان الزوج وتخشب جدًا ولم يعد ممكنًا إلباسه البدلة. وللأسف، فشلت الزوجة مرات ومرات وعجزت بعدما أعيتها كثرة المحاولات عن تنفيذ ذلك الأمر؛ فما كان من الزوجة إلا أن وضعت البدلة بجوار زوجها وخرجت وهي حزينة. كان حزن الزوجة شديدًا بسبب عجزها عن تنفيذ وصية زوجها واعتذرت منه وخرجت من قبره تبكي بحرقة بسبب عجزها عن تنفيذ وصية زوجها. لله درها من امرأة.