تمضي الأيام ولغتنا العربية تشهد عزلة وضمورا وضياعا . لا شك أنها مؤامرة ضد اللغة العربية لتخريبها وإخماد وهيجها . أليس ظلما وعيبا أن نقوم بإهمال لغتنا والتقليل من شأنها ؟. سؤال برسم من يريد الخير والتطور لهذه اللغة الجميلة، وهو السؤال الذي يتبادر كذلك إلى ذهن بطلنا البارع عبد الإله، فصديقنا جميل الصورة، حلو الحديث وعذب الصوت، خفيف الروح، قوي الملاحظة .كانت تحبه أمه وأبوه ويعجبان به في لطفه وذوقه ولباقته . اشتهر عبد الإله منذ نعومة أظفاره بولعه تجاه لغة الضاد، وهكذا مع مرور الوقت اشتد إعجابه واعتزازه بها، كما كان حريص كل الحرص على تقديرها ووضعها في أكرم منزلة، وأحسن صورة .

لكن في الآونة الأخيرة عرفت لغته الأم عقوقا ونفورا لم تشهده مطلقا في أي عصر، وما يحز فعلا في نفس عبد الإله، هو أن الناطق بلغة الضاد بات مهرولا نحو لغات لا يمكن مقارنتها بلغتنا العربية، فاللغة العربية تعتبر من أذكى اللغات من ناحية الأبجدية وربط الجمل مع بعضها، كما أن قاموسها غني بالمفردات، يتجاوز 12 مليون كلمة، مما يجعلها تصنف الرقم واحد عالميا من حيث درجة الدقة في المعاني . اللغة العربية أيضا تمتلك 16 ألف جذر لغوي، وهو عدد يفوق كل جذور لغات العالم . صدق من قال :" لغة إذا وقعت على أسماعنا كانت لنا بردا على الأكباد ستظل رابطة تؤلف بين قلوبنا فهي الرجاء لناطق بالضاد ". هل في لغات الكون كاللغة التي يسمو بأحرفها كلام الله ؟. سؤال مطروح من بطلنا الذكي عبد الإله الذي عمد على استرجاع لمعان لغته عن طريق عنايته بجودة الإلقاء، وحسن الحديث، وفي نفوره من كل عيب يشوب النطق، أو يشوه جمال التعبير، كما ينصحكم فارسنا الصغير بأن تؤثروا القول إذا كان صديقكم بليغ اللفظ وَجِيزَ العبارة، وينوه على ضرورة الابتعاد عن فضول الكلام، إذ هي صفات ذميمة في المتكلم والخطيب حيث يقول لكم عبد الإله : خير الكلام ما قل ودل . 

إن لعبد الإله صديق من المشاهير الأدباء يدعى آدم، يتردد اسمه على كل لسان في البلاد العربية، سأله ذات يوم من أين حَصَّلت هذا العلم الكثير يا صديقي الكريم ؟.
- فقال له : من القراءة .
- قال عبد الإله : وماذا كنت تقرأ ؟
- فقال آدم : كل كتاب وقع في يدي قرأته وبالأخص الكتب العربية .
- رد عبد الإله : وهل تحتفظ بكل كتاب قرأته ؟.
- أجاب آدم : لا، بل أمنحه لأصدقائي حتى ينالوا من علومه ويستفيدوا منه كذلك .
- تعجب عبد الإله من كلامه ثم أردف قائلا : جميل !!. فهكذا تكون قد نشرت العلوم بين زملائك دون مقابل، ولم تبخل عليهم، وبذلك سيكون لك الفضل في تحفيزهم على القراءة وتشجيعهم كذلك على صون لغتهم العربية ؟.
- أجاب آدم : أجل صحيح، لن نستطيع أن نمضي قدما إلا بالدفع بلغتنا، ولن يكون ذلك ممكنا إلا عن طريق التحصيل الواعي، وشرط التحصيل الواعي هو القراءة . حدود قوتنا باللغة تُحدد حدود عالمنا ... لُغتنا حلوة وغنية ... لكن تحتاج إلى من يقدر جمالها و عمقها ليرسم حدود عالمه الشخصي فيها . عندما نفكر ونعمل بصدق وإخلاص من أجل الرقي بلغتنا، يصبح من الممكن بل من المحقق أن تسمو في سماء العالمية والإبداع . بعد ذلك أخذ يترنم بأبيات جميلة تقول :

            رَبُّوا بنيكم، علموهم، هذّبوا                             فتياتكم، فالعلم خَيْرُ قِوَامِ

           والعلم مَالُ المُعْدِمين إذا هُموا                          خَرجوا إلى الدُّنْيَا بِغَيْرِ حُطامِ

          وأَخوا الْجَهَالَةِ في الحياة كأنه                             ساعٍ إلى حَرْب بغير حُسامِ

           أنظر إلى الأقوام،كيف سمت                          بهم تلك العلوم إلى المَحَلِّ السَّامِي

           من راكب مَتْنَ الرياح كأنه                                مَلِكٌ يُصَرِّفُ أَمْرَها بزمام

          أو مُحْدِثٍ بالكهرباء عجائبا،                              أو غائص بالفلك ، أو عَوَّامِ

         أو مبدع قطر البخار، ومنشيء                              سفن البحار تلوح كالأعلام

         أو مرسل وحي الهواء ومنطق                                صُمَّ الجماد بأحرف وكلام

         فالجهل يخفض أمة ويذلها،                                 والعلم يرفعها أَجَلَّ مَقَامِ

إن كثيرا من الأطفال لا يقتنون الكتب، وذلك عيب كبير جدًا ؛ لأن الكتاب يا أصدقائي هو الطريقة المثلى للحفاظ على لغتنا، فإن كل ولد مثقف يجب أن يكون له مكتبة خاصة، تحتوي على الكتب التي تسليه وتفيده، وتزيده علما ومعرفة . وإلا فكيف سنسمو بلغتنا من جديد إذا كنا لا نقرأ ؟! ومن ماذا سنجلب العلوم إذا لم يكن في بيت كل منا مكتبة ؟. ولم يعد الآن خافيا عليكم يا أصدقائي أن وسيلة اقتناء الكتب يسيرة هينة، فإذا صح العزم يا أصدقائي، وخلصت النية، آنذاك سيكون لنا بصمات بارزة في توهيج بريق لغتنا والنهوض بها في أعلى المناصب .

إني - يا أعزائي الصغار - أنصحكم أن تحرصوا كل الحرص على أن يكون الاهتمام باللغة العربية من أولوياتكم، وأن تركزوا على الرفع من مستواها والتفنن في فهم قواعيدها، فاللغة العربية بحر يترسب في أحشائه اللؤلؤ والمرجان، كما أنها تعلم الناس المروءة والشجاعة، دون أن ننسى الفصاحة والرجاحة . القراءة والمطالعة هي مفتاح نجاة لغتنا الجميلة يا أصدقائي، فعندما يكون الطفل محبا للمطالعة، تتوسع مداركه وينفتح عقله، وإلى جوار ذلك تساعده على تمديد خياله وإثراء مخيلته بالمفردات والمعلومات اللازمة للدخول في أي نقاش وحوار مع الآخر . لا تنسوا يا أعزائي، أريدكم أن تكونوا من أهل الثقافة والمعرفة، لأن الجهل عيب كبير ؛ ولكي تكونوا مثقفين ومن أهل المعرفة، وجب أن تقرؤوا كثيرا، ولكي تقرؤوا كثيرا، وجب أن تحبوا الكتاب كحبكم لهوايتكم المفضلة ؛ بل أريدكم أن تسرفوا في المطالعة بدل إسرافكم في اللهو البريء أيام العطل البهيجة .

وأنتم - يا أعزائي الصغار - في أشد الحاجة إلى مرشد وفي، يحبب إليكم الكتاب، ويعودكم على القراءة الحرة، ويشوقكم إلى المعرفة، ويرضي ذوقكم، ويمنحكم علما مستنيرا، ويسموا بمشاعركم الرقيقة الوديعة ... فهيا معا لنسموا بعقولنا عن طريق الدفع بلغتنا . النتائج دائما بخواتيمها، أليس من الجميل يا أصدقائي أن نتقيد بتعليمات عبد الإله حتى نعتز بلغتنا وننفض غبار الإهمال والركود الذي طالها ودب في مجالها ؟ . لغتنا يا أصدقائي فيها نفسنا الطيب، والسر يكمن طبعا فيما نضفيه عليها من أفكار هادفة، وتغيير ينعش قاموسها العامر . يؤكد عبد الإله في النهاية على أنه سيظل مخلصا للغته العربية، إنه قراره النهائي ولا رجعة عنه، وسيبقى يعتز به مدى الحياة . من منكم - يا أعزائي الصغار - سيفعل مثل بطلنا عبد الإله ؟.