الحب جميل ... لا غُبار على ذلك ... ولعل أكثر القصص التي تسترعي اهتمام القُراء والكُتاب هي تلك التي تتناول بين طياتها موضوع العشق والغرام . فلا يكاد يخلو بيت أو قصر من ذكر قصص العاشقين الذين يكابدون الصعاب ويواجهون الحياة بسلاح حبهم لحظة التلاقي البَهيجة، طامعين بعيش رغيد يدا بيد في رحاب سعادة تجمعهم تحت سقف واحد . الجميل في الأمر هو أن معظم هذه الروايات تُخْتَم باجتماع العاشق بمحبوبته . بعد ذلك يتطور هذا إلى زواج يتخلله الصدق والمحبة والإخلاص، وبذلك يُنْفَضُ غُبار فترة عزوبة تحل محلها حياة زوجية سعيدة مفعمة بالهناء والفرحة . لكن في مقابل ذلك، يجب علينا ألا ننسى أن للحب أعداء كُثُر ؛ فهو عُرضة للتشويه والضُمور والضياع، خاصة إن كان هذا الحب من طرف جهة واحدة، أو حين يُقابل بمشاعر سطحية باردة بعيدة كل البعد عن روح اتفاقهم الخفي على الغوص في قلب المودة الدافئة، وبذلك تنشأ قصص حب كاذبة تَؤُول إلى نهاية مأساوية موجعة، وهذا بالتحديد ما سأرويه عليكم في حكاتي هذه . حكاية واقعية يحكمها الندم . حكاية عن الغدر والوفاء والتعلق المزيف، عن العشق الكاذب والفراق وخيبة الأمل، وقبل هذا كله، إنها حكاية عن الخيانة والنفاق وجروح لا يمحوها الزمن .

فراس شاب عشريني وسيم وجذاب، تهفو إليه قلوب الفتيات، ذو لحية كثة، عينين عسليين، شعر أملس كالحرير، يملك قلبا صافيا يفيض حيوية ونشاطا، من الصعب على فتاة ألا تقع في شباك جاذبيته المثيرة . في يوم ملتهب من أيام فصل الصيف الحارق، شعر فيه فراس بالحر والملل في منزله، ثم قرر قُبَيْلَ مغرب الشمس أن يخرج للتنزه والمشي بمحاذاة شاطئ البحر، حيث يصبح الجو منعشا وباردا، وذلك للترويح عن نفسه والتخفيف من وطأة الحر التي لازمته طيلة النهار . كان النهار لم يسدل ستاره بعد، وكان الهواء عليلا، والمناظر خلابة - خصوصا بعد أن ارتدت الطبيعة حُلتها الصيفية الخضراء الزاهية - وكانت أشعة الشمس الخفيفة ما تزال تَسطع على رؤوس المارة التي بدورها لم تلبث طويلا حتى اختفت وراء البنايات السكنية . شعر فراس بتعب وفشل بعد قطع مسافة ليست بالهينة، ثم جلس على أحد الكراسي العمومية وأخرج هاتفه من سترته ؛ فأخذ يتبادل الرسائل مع أصدقائه ويتفقد أحوالهم ريثما يلتقط أنفاسه ويسترجع طاقته . في الجهة المقابلة على مقربة من الشاطئ، وباتجاه فراس على بُعْدِ مسافة ليست بالبعيدة، كانت تجلس شابة جميلة ذات نَظَراَتٍ خاطفة، شَعْرٌ أسود طويل، وملابس فضفاضة . للوهلة الأولى لمحت البنت ذلك الصبي الوسيم، وما هي إلا لحظات حتى اجتاحت مشاعر الحب والعنفوان كامل جوارحها ومكامنها، بموجبها تمددت الشرايين والأوردة، وتدفق الدم إلى القلب محدثا بذلك كومة من الأحاسيس المتدفقة التي انبثقت على شكل ابتسامة عريضة على محياها . كانت توجهها مرارا وتكرارا صوب فراس من أجل أن تصرف انتباهه وتلفت أنظاره إليها، لكنه لم يَأْبَه لتلميحاتها المتواصلة، فقد كان منشغلا في إرسال الرسائل وتحميل المقاطع الموسيقية التي يفضلها، الشيء الذي أثار فضولها قليلا، وهذا ما سيدفعها لفك رموز هذا الانجذاب ؛ فخفقان قلبها يوحي بأنها سقطت ضحية الحب، أو ربما وقعت فريسة في شباك جاذبيته، ولما لا قد يكون عشقا من النظرة الأولى ؛ فأحيانا يهديك القدر صدفة جميلة تكون بمثابة شعلة تمنحك الحياة، وتعيد بصيصا من الأمل في نفسك، بفضلها تتبدد أحزانك وهمومك . قد يكون فراس هو قدر هذه الفتاة، ولما لا نصيبها، فما جال في خاطرها من مشاعر وأحاسيس جعلها تسعى جاهدة لكسب مودته وقربه، وهذا ما حصل بالفعل، دقائق معدودة حتى أقبلت بخطوات متباطئة نحو الكرسي الذي يجلس فيه فراس، ثم جلست بجواره دون أن تَتَفَوه بكلمة، أدرك فراس حضورها والتفت إليها ليتفقد من يشاركه الجلوس على نفس المقعد، تلاقت الأعين وانجذبت النفوس إلى بعضها البعض، أفصحت العيون عن ما تخفيه القلوب من نوايا، ذلك باعتبارها نوافذ للولوج إلى النفوس، وأيضاً طريقة رائعة للتواصل، كما يمكنك قراءة كل مشاعر وعواطف الأشخاص في عيونهم .

ينظر العشاق إلى أعين بعضهما ويتخاطبان بنظرات رقيقة وحساسة، ومن دون شعور، ارتسمت على محياهما ابتسامة مشرقة أسفرت بعد ذلك عن انجذابهما إلى بعضهما البعض، ساد الصمت للحظات ثم انقطع بسؤال فراس:" مرحبا، أراكِ تبتسمين ابتسامة غير عادية في وجهي، هل تعرفينني؟، رَدت الفتاة دون خجل:" لا، لا أعرفك لكن في الحقيقة لاحظتك من بعيد وأحببت التعرف عليك ؛ فباستطاعتنا أن نصبح أصدقاء إن كان هذا لا يضايقك ". أجابها قائلا:" أكيد لا مانع عندي، لكن قبل ذلك، هل لي أن أعرف اسمكِ؟. ابتسامة لطيفة من غير صوت ثم أردفت قائلة :" أجل بالتأكيد، أدعى صفاء، طالبة في السلك الثانوي، أبلغُ من العمر ستة عشرة سنة، ومقبلة على اجتياز امتحان نيل شهادة الاختبار الجهوي نهاية هذا العام الدراسي". رد عليها بابتسامة عريضة دون أن يفتح فمه، ثم قال :" هل هذا صحيح ؟، أتمنى لك حظا موفقا ؟. انتهى الحوار بينهما، لكنها كانت تخطط لشيء أكبر من ذلك، ربما كانت تطمح لأخذ رقم هاتفه، أو وسيلة تجعلها تتواصل معه على الدوام . مثل لقبه أو اسمه حتى تبحث عنه في صفحات الفايسبوك الوسيعة . وهذا ما حصل بالفعل، أخذت تتدرج معه في الأسئلة إلى درجة أنها نبشت في أموره الشخصية، وبالتالي نالت مرادها وبلغت مقصدها . كانت ذكية وانتهازية، لقد أَغْوَته بكثرة أسئلتها التي بدت له وكأنها من طرف شابة ساذجة، لكنها ليست كذلك تماما، فقد استغلتها كَطُعْمٍ لِتُوقع طَريدتها السهلة في شباك مصيدتها الخبيثة، وكل هذا مقابل رقم الهاتف . لقد حصلت الشابة على رقم هاتف فراس كما خططت بالضبط، إضافة إلى أنها أخذت لقبه الذي يعلو صفحته على الفايسبوك بفعل دهائها وفطنتها التي نهلتها من خبرتها في مجال لطالما تَبَرأْنَ منه النساء . تأخر الوقت كثيرا إلى حدود منتصف الليل ؛ فراحت البنت تضحك بفرح منتشية بالنصر وراح فراس يحمل ضحكتها إلى مسكنه . أخذا يتبادلان الرسائل ليلا على الواتساب، وسرعان ما أصبح عشيقها، كما أن الحب وجد طريقا لقلبه هو الآخر ؛ فسعى إلى مد جسور الوصال بينه وبين حبيبته . في غضون فترة قصيرة، توطدت العلاقة بينهما لتتحول إلى علاقة حب ملتهبة الأطراف . كان مجنونين ببعضهما . كان عشقهما ناريا إلى درجة أن كلا منهما لم تخطر على باله فكرة الغدر أو الخيانة . دامت هذه العلاقة أزيد من سنة ونصف، كانت مبنية على الثقة والود والشغف، اعتادت صفاء كل يوم أن ترسل له على الواتساب عبارة (أحبك يا حبيبي ولا تتخلى عني)، وكانت تبدي له حبا كبيرا لا يوصف، وكان يبادلها نفس المشاعر، ويتصل بها ثلاث مرات عشية كل نهار ليطمئن عليها ويتفقد أحوالها . مساء يوم السبت سيتجدد اللقاء، بعد أن عزما كلاهما على تمضية أمسية رومانسية على ضفاف نهر قرب بيتها المتواجد على سهل منبسط على بساتين تعج بأشجار التفاح والخوخ المُخْضَرتين، فقد أخبرته أن إخوانها شديدي الطباع، ولن يسمحوا لها بالابتعاد عن البيت للتجْوَالِ على مسافة بعيدة منه . كان متشوقا للقاء عشيقته الولهانة، طالبة العلوم الطبيعية، شبابها الغض، شعرها الأسود الثقيل، عيناها البنيتان الواسعتان، حيويتها المفرطة وصوتها العذب . بالفعل، لقد جاء فراس إلى مكان اللقاء، وقد حرك رؤيتها لواعج قلبه الملتاع . كان يمسك بيده اليمنى ورودا يانعة، قام بقطفها من بستان صغير مجاور لبيت صفاء، ثم صممها على شكل باقة جميلة ليهديها إليها. خبأ الباقة خلف ظهره ثم فاجأ حبيبته بها . بعد أن استلمتها منه، أبدت فرحة عارمة تخفي بين زواياها نفاق وغدر لم يلاحظهما فراس، بل لن يقوى أكبر الأخصائيين النفسيين على استجلاء تفاصيل ما تُضمره . كانت تصرفاتها طيلة اللقاء تثير الريبة، حيث لم يلبثوا طويلا حتى بدأت تتهرب بداعي أن إخوانها سيقتلونها إن عادوا إلى البيت ولم يجدوها فيه، بل تمادت في كذبها مخبرة إياه أنهم سيذبحونها إن عثروا عليها بجوار شاب غريب عن أسرتهم . إلى أي شيء كانت تهرب، وممن كانت تهرب ؟. عشرات الأسئلة يلفها الغموض عششت في ذاكرة فراس، بل سرعان ما تداعى إلى ذهنه بحر متلاطم من الأفكار السلبية . فقد شكل هذا اللقاء بداية الطريق نحو نمو بذور الشك بين العشيقين عقب هذا النفور المفاجئ، فكلاهما صار يخاف ويخشى غدر الآخر ... 


يتبع ...