كان فراس هو الأكثر تخوفا من أن تغدر به، خصوصا أنه كان عازم على التقدم لخطبتها بعد أن اشْتَدَّ هيَامُهُ بِهَا، حيث أراد أن يكلل نشوة هذا الحب بزواج يُرَقع فراغ ما مضى من سنين وحدانيته الضائعة .

انقضت الأمسية التي لم تدم طويلا، ثم ذهب كل منهما إلى حال سبيله . في عشية اليوم التالي، قام فراس بنشر صورة لاسم صفاء في صفحته الخاصة على الفايسبوك . كانت محاطة بقلب أحمر واضعا اسمه بجانبه . بطبيعة الحال، نال منشوره اسْتِحْسَاناً من طرف أصدقائه الذين كانوا شديدي الإعجاب به، وانهالوا عليه بألفاظ التهنئة والمدح . والآن تخيل معي عزيزي القارئ هذه المفارقة العجيبة، لدى فراس صديق قديم يثق به لدرجة كبيرة، ولا يخشى أن يتفوه بأسراره ويكشفها بجانبه، بل يعتبره بمثابة أخيه البكر . هذا الصديق يدعى فَوْزِي، إلى حد هذه اللحظة كل شيء عادي، لكن الغريب في الأمر أن فوزي عندما تصفح واجهات الفايسبوك، توقفت أنامله على منشور فراس، ثم قام بوضع إعجاب لصديقه مرفق بتعليق يهنئه بالعلاقة الجديدة، لكنه لم يكن بمفرده، فقد كان معه صديق الطفولة هشام الذي لاحظ المنشور وسرعان ما امْتَقَعَ لونه وأصبح شاحبا . في هذه الأثناء، سأل هشام صديقه فوزي قائلا:" من يكون هذا الشاب المدعو باسم فراس ". قبل أن يجيب فوزي على سؤاله الأول، أضاف هشام سؤالا آخر سريعا:" منذ متى يعرف صفاء، ولماذا يضع قلبا يتوسطه اسمهما ؟!. لا عجب أن يعلو وجوهما إمارة القلق والدهشة، التي بدورها ستتضاعف بعد جواب فوزي:" ماذا تقول !!. هل تعرف صفاء ؟!. كيف يعقل هذا ؟!. بعد ذلك أخبره أنه على علاقة بصفاء منذ ما يزيد الثلاثة أشهر، وأنه يخطط وعازم أن يتزوجها بعد أن أفصحت له بحبها له . كانت صدمة قوية على مسامع فوزي، بدت أثارها جلية على محياه ؛ أما الكارثة الكبرى هي كيف سيستطيع إخبار فراس بحقيقة تلك الماكرة التي استحوذت قلب صديقه وشملت تفكيره . بالرغم من ذلك لابد من أن تظهر الحقيقة في النهاية . هذا صحيح، حتى ولو كانت مزعجة عند ظهورها، لذلك قرر فوزي أن يعرب لفراس عما دار بينه وبين هشام وما تم كشفه من حقائق، لكنه فضل أن يؤجل ذلك إلى صباح يوم غد ؛ لأن الوقت لم يكن يسمح بذلك . مصادفة غبية ساذجة، أو ربما كانت عَبَثِية . كان يمكن لتلك المصادفة ألا تقع أساسا، وتستمر العلاقة على ما هي عليه، وكان يمكن أيضا للمصادفة أن تكون حتمية فعلا، لتنكشف الحقيقة و تنال تلك الخائنة عقابها الذي ليس بالضرورة أن يأخذ مجراه عن طريق القانون ... بل إن ما يكابده الجاني أحيانا من شعور طاغي بالذنب جراء ما صنعت يداه قد يفوق في عذابه أي عقوبة أخرى، والقصة التي نحن بصدد سردها عليكم في هذه الحكاية هي خير مصداق على كلامنا هذا ... ماذا يمكن أن نسمي هذا الذي حصل ؟. هل هو تلاعب بالمشاعر ؟!. أم أنه تقلب الضمير ؟!. لست أدري، ربما يطغى الاحتمال الأول على فرضيتنا، باعتباره ضربا من ضروب المكر والخداع التي وظفتهما بطلة قصتنا لتلهو بين قلبين محترقين، بل ولتتلذذ مذاق العذاب الذي يسكن صدريهما . دعونا من هذه الفرضيات المطروحة، ولنكمل ما بدأناه، فكما أسلفت الذكر كان فوزي مُصَمما في صباح اليوم الموالي على تبليغ الرسالة لصديقه العزيز كما جاء في الحوار تماما، دون أن يخفي عنه شيئا . لكن للأسف الشديد لم يفعل ذلك، ولم يخبره بالحقيقة . فقد أخفى ذلك السر الخطير خشية أن يصاب صديقه بالحُمْقِ أو الصدمة ؛ فهو لن يتقبل كلامه وسَيَدعي أن صديقه يحسده على تلك العلاقة . في نفس اليوم اتصل فوزي بفراس حتى يعلمه أنه سيصحبه إلى شاطئ البحر من أجل الترويح عن النفس، وكفرصة ملائمة لإبعاده عن أجواء الامتحانات المرهقة . بالفعل، لقد التقى فوزي صديقه فراس والبسمة تعلو محياه ... بسمة ذكرته بريعان شبابه و أوج نشاطه، لقد مضت مدة طويلة لم يرى فيها فراس بتلك البسمة والحيوية، ومن البدهي أن فوزي لن يُنَكد عليه صوف مزاجه بخبر قد يؤدي به إلى الإغماء، فَرَاحَا كلاهما يُهَرولاَن فوق الرمال الباردة على مقربة من نهاية الشاطئ . بعد مرور حوالي ساعة ونصف، آلمت أشعة الشمس دماغهما وارتخت عضلاتهما بكثرة المشي ؛ فقررا إنهاء النزهة إلى أن يلتقيان في موعد آخر .

لم يكن يعلم فراس أن هذا النهار هو بداية اعتناق حبيبته لوجهة مجهولة، فقد انقطعت أخبارها على نحو صادم ؛ فحتى الاتصالات الهاتفية الثلاثة عشية كل نهار، لم تعد تجيب على أي واحدة منها، بل أقفلت جميع حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي . المحير في الأمر هو أنها لم تبدي أي سلوك يؤشر على رغبتها في الاختفاء أو الخيانة، فقد كانت تجيد السيطرة والتحكم بعواطفها تماما ؛ فتظهر له من الحب والود والاهتمام ما يجعله لا يشك في إخلاصها مطلقا . صفاء كانت في الحقيقة ممثلة بارعة، أبرع من الكثير من ممثلات هوليوود المحترفات، وربما نالت جائزة متقدمة في ذلك، فالعلاقة التي باتت متأججة وملحمية سرعان ما ستتحول إلى رابطة تَتسِم بالركود والعُزُوف . توالت أيام الاختفاء واشتدت حُرقة الشوق إلى لقائها من جديد ؛ فَنَوى فراس مساء الغد أن يَمْضِيَ إلى سكنها ليتفقد أمورها ويتحرى سبب غيابها لكونه يعلم جيدا أنها تعود إلى منزلها على الساعة الثامنة كما أخبرته دائما، وقبل ذلك كتب لها رسالة غرامية جاء في مطلعها " يا أسيرة قلبي وسر مهجتي أنت نبع أنفاسي " كانت مُرْفقة بورود زكية، أراد أن يهديهما إليها ؛ ويا ليته ما فعل .

أتى ذلك المساء المشؤوم ؛ ويا ليته ما أتى، كانت ليلة قمراء اكتسى الليل فيها قبعته السوداء الغامقة، وكان الجو مُعْتِماً، أشبه مما تكون عليه ليالي دجنبر المتجمدة، ولم يكن القمر يرسل من النور إلا ما يكاد يكفي لتمييز ظلال الأشجار والأعمدة الكهربائية ؛ فاختلطت الأنوار ببعضها من السماء والأرض لتصنع مشهدا انطباعيا طاغيا في رِقته، وفي الجو كان يعبق نسيم أزهار الياسمين والليمون الممزوج بعبير أزهار النارنج الفواحة المنبعثة من إحدى باحات المنازل الوسيعة ؛ فَتُضْفِي على الحي سعادة تبعث على الرجفة في القلب الذي أضناه الشوق بحثا عن السعادة الضائعة . أظن أنكم تعلمون جيدا عمن أتحدث؟!. ومن تكون تلك السعادة الضائعة، أو بالأحرى غصة العمر، وذبحة القلب . أجل غصة، بل وَجَع، لا يحق أن أنعت خائنة منافقة تم نزع قناعها بتهمة التحايل بسعادة ضائعة، كما أن هذه المواصفات هي بلا شك الأقرب إلى شخصيتها ؛ فهي باردة القلب وعديمة الشعور . تخيل معي أيها القارئ الكريم مرة ثانية هذه المصادفة التي أنعتها بالعدالة الإلهية، كان فراس في هذه الأثناء قد وصل إلى بيت صفاء قبل نحو نصف ساعة من آذان العشاء، وأخذ يتسكع على غير هدى بين أجناب الحي الذي لم يكن فيه أحد غيره . طرق الباب ثم لم يلبث طويلا حتى خرج أخوها مخبرا إياه أن صفاء غير موجودة ... كان الرد صادما، بل صاعقا . كيف لا وهي أخبرته أنها تعود باكرا مخافة من إخوانها الشديدي المراس . ها نحن أمام السؤال الأصعب ... كيف يُعقل لبنت لم يتعدى عمرها ستة عشرة سنة لا تزال تتسكع بين الشوارع والأزقة في هذا الوقت المتأخر من الليل ؟. سؤال بِرَسْمِ من يريد الخير والأمان لتلك البنت الطائشة . أصبحت مشاعر هذا الفتى المسكين بسبب بنت متهورة تتأرجح ما بين لُجة الأسى الذي غرق به، وبين الشوق الذي دب أوصاله الهشة . ضاق ذِرعا فسار مُتَأففا تاركا المكان وراءه، ثم راح بالاتجاه المعاكس عبر فضاء رحب نحو أدراج بشارع يوسف بن تاشفين المؤدية إلى الشاطئ، كان ينوي الذهاب إليه عَله يحظى بنسمة هواء منعشة . هنا سيتعقب أولى خيوط قصة اختفاء حبيبته الغريبة، فكما سبق وأشرت سابقا فقد شاءت العدالة الإلهية أن ترشد أقدامه إليها من دون أن يعلم هو بمكانها، وبذلك سيفتح الله بصيرته المحكوم عليها بالانطواء تحت تأثير حُمَّى العشق منذ ما يزيد السنة والنصف، أي مُذْ أول لقاء جمعه بها . كان واثقا أنها لن تغدر به، ولم يراوده شك اتجاهها، بل كان يحس بداخله أن سبب غيابها لن يتعدى عن كونها مريضة ولا تريد التحدث مع أي شخص . لكن ثقة فراس العمياء لم تكن في محلها ...


يتبع