أدعى نبيل... شاب عشريني من ذوي الاحتياجات الخاصة، وكاتب لا يمل من التدوين والتحرير. هوايته المفضلة هي المطالعة ومداعبة القلم. ولد في ٢٣ من تشرين الأول عام ١٩٩٩. يهوى الإبحار في أعماق الأدب العربي ويعشق كل ما يتعلق بلغة الضاد... يتابع دراسته في كلية الاقتصاد والعلوم القانونية بمرتيل، شعبة اقتصاد. حلمت مؤخرا برؤيا عجيبة أرقت جفوني مدة طويلة. فأردت مشاركتها معكم علني أحظى بآذان صاغية أو أجوبة مقنعة. 

بداية القصة :

عندما وطأت أقدامي للوهلة الأولى حرم الجامعة.كنت في غاية القلق والارتباك طوال الوقت، لأنني كنت وحيدا لا أعرف أحدا.كانت كل الوجوه غير مألوفة ومريبة بالنسبة لي.

مر أسبوع كامل وأنا على هذا الحال، وأدعو الله أن يلاقيني بأطيب الناس وأن يبعد عني شرها، ويعوضني بأصدقائي القدامى الذين ترعرعت بجوارهم؛ فكانوا خير صحبة ورفقة. 

ذات يوم قبيل انتهاء محاضرة تتطرق لموضوع المحاسبة. خرجت من المدرج وأنا أدفع عربة تساعد على المشي، وسرت بمحاثاة سياج يطوق حديقة الجامعة. بعد ذلك جلست على أحد الكراسي التي تقرب الحديقة، ثم اتصلت بأخي كي يأتي ليصطحبني من الجامعة. وأنا جالس بدأت في التفكير وطرح أسئلة متسلسلة على نفسي : كيف سأدبر أموري وحيدا وأنا لا أقوى على المشي ؟. وما هذه الورطة، الظاهر على أنني سأحتاج لمدة طويلة لأتأقلم مع طبيعة الوسط ؟، يم من الأسئلة كان يتلاطم في مخيلتي ويطرح نفسه من دون جواب... لازلت أتأمل الوجوه وطال تفكيري. في لمح البصر وإذا بشاب وسيم يقف منتصب القامة بالقرب مني، ينبض حيوية ونشاطا وكأنه مبعوث من عند الله، خاطبني قائلا :

   - أيمكنك مساعدتي. 

أجبته متعجبا : 

   - نعم بالتأكيد، لكن فيما تحتاج مساعدتي؟. 

رد ضاحكا وبلباقة :

   - لقد رمقتك يوم أمس وأنت تشرح بعض الوحدات بجدية وإخلاص لأحد الشبان . هل باستطاعتك أن تساعدني في فهم تلك الوحدات وأن تسهل علي شرحها ؟.

لن أنكر أن تعامله الراقي والطيب أجبرني على الخضوع لرغباته. كم كان لطيفا جدا وطيبا !!. وكانت ابتسامته لا تغادر محياه ما شاء الله.

كثرت لقاءاتنا وتعرف عليه إلى أن أصبحنا أصدقاء، بل أكثر من إخوة. سبحان الله عوضني الله عز وجل بصديق طيب جدا بعد أن صبرت وحمدته على كل نعمة أعطاني إياها. وهنا ستبدأ مغامراتي في الجامعة، حيث أصبحت نشيطا وتغير مزاجي من سيء إلى أحسن، وأدركت جيدا أنه بقدر صفاء نيتك مع الله سيكافئك بأجمل مما تتوقع.

مرت الأيام وساعدني هذا الصديق على الاطلاع على جل أروقة الجامعة، بما في ذلك حجر الدراسة، قاعات المحاضرات، والمكتبة، دون أن ننسى كافيتيريا الجامعة التي أصبحت أتردد عليها باستمرار باعتبارها مكانا ملائما لقضاء فترة الاستراحة وشرب كوب من القهوة أو عصير الأفوكادو. 

في هذا المكان بالذات ستنسج أولى خيوط الحلم الغريب، وسأتعرف في هذه الأثناء على النادل الذي يقوم بخدمة الطلاب وتسليمهم الطلبات والمدعو باسم "أنور". إنسان طيب القلب وظريف، طويل القامة، أسود الشعر، رث الثياب. ابتسامته شفافة وجميلة بالرغم من أن إحدى أسنانه الأمامية مكسورة. 

كان رئيسه يعامله بقسوة ولا يترك له المجال للراحة، وكنت أشفق عليه كثيرا؛ فأتصدق عليه بكل الدراهم التي كنت أدخرها لمثل هذه المواقف... أعجبتني خاصية تتميز بها الكافيتيريا، فمثلا إذا اشتريت كوب شاي، وقهوة، وحليب بخمس عشرة درهما. وعند الإنتهاء. إذا قمت بإرجاع الكؤوس إلى حيث أخذتها ستحصل على مكافأة درهمين على كل كأس.

هذه المكافأة كنت دائما أمنحها للأخ أنور؛ إذ كانت تسعده كثيرا؛ أما أنا فكانت تروقني ابتسامته التي لطالما حاولت أن أرسمها على محياه في ظل الظروف الصعبة والقاسية التي كان يعيشها، وكنت كلما ارتدت مقهى الجامعة أناديه؛ للجلوس بجواري من أجل أن أتبادل معه أطراف الحديث وأرفع من معنوياته. كان يحدثني عن ظروفه الصعبة وهو يداعب قوائم الطاولة بأياديه المثلومة، وعن حياته اليومية الشاقة، وأنا كنت أواسيه ببعض الكلمات وأشد أزره بالتفاؤل لكي لا أعمق الجراح أكثر. فأنصحه تارة بألا يستسلم للحياة، وتارة أخرى بأن الدنيا اختبار يجب على كل شخص أن يخوضه كيفما كان مستواه.

بعد هذا اللقاء انتهى عامي الأول في الجامعة، وانقضت معه الفروض والامتحانات وودعت أسوار لطالما سأحن لأحضان علومها، ودفئ الصداقات التي كونتها بين أسوارها...

مرت فترة الصيف واقترب الدخول الجامعي من جديد. وقبل بدء الدراسة بحوالي شهر تقريبا. حلمت بالأخ أنور. لقد كان حلما غريبا نوعا ما. فقد رأيت في منامي كأن جيشا من العسكر يقتحمون بيتي، وكان يترأسهم أنور الذي حملني بين ذراعيه وغادر بي البيت إلى وجهة مجهولة. بعد ذلك بدا لي وكأنه ينزل بي من على الدرج، - وأنا لا أزال محملا على الأكتاف - إلى قبو أو حجرة تحأرضية أو ما شابه ذلك. وبمجرد أن داست سيقاننا أرض القبو الساطع؛ حتى اعترض طريقنا جموع من الناس سرعان ما أخذت أعانقهم وأسلم عليهم كأنني أعرفهم فردا فردا. 

العجيب في الأمر أنني عند تفسير هذا الحلم وجدت أن دلالة العسكر في المنام تشير إلى أنهم أهل الله، ومن البدهي أن الأخ أنور سيكون إذا شخصا صالحا !. ومنه أيقنت أنني كنت أتكلم مع إنسان تقي. بعد الحلم مباشرة بشهر أو شهرين... عزمت بمجرد أن تفتح الجامعة بواباتها، سأذهت لألتقي بالأخ أنور لأسرد عليه الرؤيا. 

صدمت حين أخبروني بأنه رحل من الجامعة، ولم يعد يشتغل هناك، والعجيب أيضا عزيزي القارئ أنني بعد هذا النبأ مباشرة أخبرني صديق عزيز لي في سوريا أنه حلم بي وبصديقي أنور، والغريب أيضا أن المواصفات الذي ذكرهم لي ينطبقون تماما على الأخ أنور. وهذا ما زاد في حيرتي وخشيت أن يكون قد أصابه مكروها. هذه هي قصتي الغريبة والعجيبة التي لم أجد لها عنوانا...