الحاجة إلى تناول الطعام هي من الأساسيات التي تمكن المرء من العيش والتفكير والإنتاج. هذا هو غرض الطعام في بدن كل حي؛ لكن المسلم غرضه من الطعام أعمق من ذلك بكثير؛ فالجسد في المنظور الإسلامي هو وعاء الروح فإذا لم يقم الجسد؛ لم تحْيَ الروح ولم تقدر على الاتصال بخالقها وتوحيده وإخلاص العبودية له - سبحانه.

وتبدأ رحلة الطعام في ديننا الحنيف من دعاء ما قبل الطعام والذي يذكرنا يغرض هذا الأكل إذا ما تأملنا فيه؛ فأنت تبدأ الطعام بدعاء: "اللهم بارك لنا فيما روقتنا وقنا عذاب النار". بارك لنا في هذا الطعام؛ فلا تحرمنا منه لأننا بدونه لن نقوى على الصلاة والصيام وسائر الشعائر الدينية. وإذا نسيت الدعاء في أول الطعام فقل وقتما تتذكر: "بسم الله أوله وآخره". 

**وهنا فكرة لطيفة لتعويد نفسك وأطفالك على تذكر دعاء الطعام بأن يكتب الدعاء في قصاصات صغيرة توزع على الأطباق كأنها جزء من الطعام قبل ملء الطبق بأي شيء ثم بعد أن يفرغ الجميع من الدعاء؛ نبدأ بتوزيع الطعام المتنوع مستشعرين هذه النعمة العظيمة ومتذكرين الغرض الحقيقي وراء نعمة الطعام.

كيف كان ينتقي الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - طعامه؟

للرسول - عليه أفضل الصلاة والسلام - شروط طيبة على النفس كانت تميز ما يأكله من الطعام وما يدعه وهي مرجع مهم لنا جميعًا لتكون أبسط الأشياء التي نقوم بها يوميا وهي الأكل على نهجه ووفق تعاليمه وهو معلم الناس الخير - عليه السلام:

1. الحرص على أن يكون الطعام حلالا: لعلنا لا نلتفت إلى هذا المعنى كثيرا لأن الكثير منا نشأ في بلاد إسلامية؛ حيث لا حاجة للتشكيك في حل اللحوم أو حرمتها لأنها تذبح بعد ذكر اسم الله عليها على أي حال. وحتى من يقيمون في دول أوروبية أو ولايات أمريكية فإن توافر الطعام الحلال صار حقًا مكتسبًا وواجبًا على فئة ممن يعملون في هذا القطاع. لكن يجدر بنا أن نلتف إلى عظم هذه الشريطة التي يمتنع معها الأكل إذا لم تتحقق. فلم يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أكل ميتة قط أو أكل من شيء لم يذكر اسم الله عليه؛ أي ما ذبح على النصب حتى قبل نزول الوحي مما يدل على طهارته صلى الله عليه وسلم وتعففه عن مس النجس والحرام حتى في أضعف أوقات المرء وهو يريد تلبية حاجته من الطعام. 

نسأل الله أن يرزقنا شفاعته وأن يطهرنا من كل قبيح ورذيل.

2. البساطة في اختيار الطعام: يعرف عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه لم يكن يتشرط أبدا في اختياره لنوع الطعام والشراب فكان يأكل ما يجد فإن لم يجد شيئا صام يومه ذاك.

روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل عندكم شيء؟، فقلت: لا، قال: إني إذا أصوم، ودخل يوما آخر فقال: هل عندكم شيء؟ قلت: نعم، قال: إذا أطعم وإن كنت قد فرضت الصوم." إسناده حسن صحيح.

فقد كان من المعلوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تناوله لخبز الشعير تحديدا لما فيه من خصائص غذائية وشفائية نكتشفها يوما بعد يوم الآن. ثم إنه كان يتناول الخبز بالخل إذا لم تكن هناك يخنة واليخنة هي طبق طعام مؤلف من مكونات غذائية مثل الخضار واللحوم مغلية ويقدم مع المرقة وكلمة يخني Yahnı هي كلمة تركية الأصل معناها الخضار بالصلصلة الحمراء واللحم. وكان يعرف عنه أيضا تناوله الخبز بالحليب.

والبساطة لا تعني بالضرورة أن تتخلى عن أكل ما تحب أو تفضل فمن غير الطبيعي أساسا ألا يكون لك نوع من الطعام تتلذذ به، لكن من غير الطبيعي أيضا أن يكون التلذذ بالطعام هو الغرض الأول والأخير والملازم لتناولك الطعام؛ فأنت كلما تذكرت الغرض الذي ناقشناه آنفا من تناول الطعام علمت أن الغرض من اللقيمات التي تأكلها هو إقامة صلبك لا الأكل حتى التخمة ولا التلذذ حتى يكون الطعام مهربا من الدنيا ومضيعة للوقت!

3. التمييز بين النافع والضار من الطعام: لم يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تناول طعاما ضارا أو فيه أذى قط حتى الطعام الساخن كان من سنته تركه حتى يبرد. كانت أسماء بنت أبي بكر - رضية الله عنها - إذا صنعت الثريد غطته شيئًا حتى يذهب فوره؛ ثم تقول: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إنه أعظم للبركة". [رواه ابن حبان والحاكم وصححه الألباني في " الصحيحة "]

قال ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد: وكان يحب اللحم وكان يحب الحلواء والعسل، وهذه الثلاثة أعنى: اللحم والعسل والحلواء من أفضل الأغذية، وأنفعها للبدن والكبد والأعضاء، وللاغتذاء بها نفع عظيم في حفظ الصحة والقوة، ولا ينفر منها إلا من به علة وآفة. وكان يأكل الخبز مأدوما ما وجد له إداما، فتارة يأدمه باللحم ويقول: هو سيد طعام أهل الدنيا والآخرة. رواه ابن ماجه وغيره. وتارة بالبطيخ، وتارة بالتمر، فإنه وضع تمرة على كسرة شعير، وقال: هذا إدام هذه. وفى هذا من تدبير الغذاء أن خبز الشعير بارد يابس، والتمر حار رطب على أصح القولين، فأدم خبز الشعير به من أحسن التدبير، لا سيما لمن تلك عادتهم، كأهل المدينة، وتارة بالخل، ويقول: نعم الإدام الخل، وهذا ثناء عليه بحسب مقتضى الحال الحاضر، لا تفضيل له على غيره، كما يظن الجهال، وسبب الحديث أنه دخل على أهله يوما، فقدموا له خبزا، فقال: هل عندكم من إدام؟ قالوا: ما عندنا إلا خل. فقال: نعم الإدام الخل. والمقصود: أن أكل الخبز مأدوما من أسباب حفظ الصحة، بخلاف الاقتصار على أحدهما وحده.

وهنا لفتة هامة لابن القيم يقول فيها في نفس الكتاب: فأما المطعم والمشرب، فلم يكن من عادته صلى الله عليه وسلم حبس النفس على نوع واحد من الأغذية لا يتعداه إلى ما سواه، فإن ذلك يضر بالطبيعة جدا، وقد يتعذر عليها أحيانا، فإن لم يتناول غيره، ضعف أو هلك، وإن تناول غيره، لم تقبله الطبيعة، واستضر به، فقصرها على نوع واحد دائما ولو أنه أفضل الأغذية خطر مضر. بل كان يأكل ما جرت عادة أهل بلده بأكله من اللحم، والفاكهة، والخبز، والتمر، وغيره.

ولا ننسى أن النفع والضرر من الطعام يعتمد أيضا على الكمية التي تتناولها وقد اخترت تسمية هذه السلسلة من المقالات التي أسأل الله أن ينتفع بها قارؤها، اخترت تسميتها "لقيمات" ليكون كل ما فيها مستندًا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "... بحسب ابن آدم لُقَيمات يقمن صلبه فإن كان ولا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه". وقد كان أبغض شيء للرسول والصحابة من بعده هو ملأ البطن حتى الشبع؛ فمن أكل كثيرا شرب كثيرا فنام كثيرا وخسر كثيرا.

كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يأكل إلا عندما يشعر بحاجة جسده لهذا الطعام ليتقوى على عبادة ربه. أما نحن فلم نعد نفرق للأسف بين الجوع الحقيقي الذي يستوجب الطعام ومجرد اشتهاء الطعام والرغبة في تناوله لأجل أنه طعام لا لأجل أنه وسيلة تقوي على العبادة والطاعة وغيرهما من مصالح الدين والدنيا. فإذا شعرت برغبة في تناول الطعام في أي وقت مع إصرار على تناول نوع من الطعام بعينه دون غيره فاعلم أنها شهوة الطعام لا غير أما إذا كان كل طعام حلال طيب بسيط يقدم إليك يرضيك ويسد جوعك فهذا جوع تؤجر على تناولك للطعام لسده إذا جددت نيتك.

الحديث عن هدي الرسول عليه السلام في الطعام والشراب حديث يطول؛ وكلما نويت الكتابة عن نقطة تشعب الحديث ليضم نقاطًا وأقوالا وأحاديث وكلها تهيج مشاعر المرء بين دهشة وتعجب من حسن تدبيره لأمر غذائه عليه السلام؛ فياليت اتباعنا لسنته في الطعام والشراب تشفع لنا وتنفعنا يوم لا ينفع مال ولا بنون. 

#لقيمات_٣٨

#دليلك_الغذائي_على_رقيم