هو زيدُ بن ثابت بن الضحّاك الخزرجي الأنصاري, شابٌّ مِن شباب الصحابة أصلُه مِن المدينة, كان آية في العبقرية - رضي الله عنه - لِدرجة أنّ العلامة الذّهبِي قال عنه : " كان أحدَ الأذكياء " وكذلك ابن كثير الذي قال عنه: " كَان زَيدُ بن ثَابتٍ مِن أَشدِّ النَّاس ذَكاءً ", وكيف لا يُعدُّ كذلك و قَد اشتهر في أربعة علومٍ جليلة, هي الترجمة والكِتابة والمواريث والقضاء.

بداية اشتغالِه بالترجمة

أمّا في الترجمة فقد كان يُتقِن ستّة لغاتٍ إلى جانب اللغة العربية, ولا أعلمُ هذه الخصلة لِأحد غيره مِن الصحابة, وكان الدافع له إلى تعلّمها هو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد حكى ابنه خَارِجةَ بن زَيدٍ، أنّ أَباهُ زَيدًا أَخْبرهُ أنَّهُ لمّا قَدِمَ رَسولُ اللَّهِ صَلى اللهُ عَلَيه وَسَلم الْمَدِينَةَ قَالَ زَيدٌ : ذُهبَ بِي إِلَى رَسولِ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيه وَسَلم فَأُعجِبَ بِي، فَقَالُوا: يَا رَسولَ اللهِ، هذَا غُلَامٌ مِن بَني النجَّار، مَعهُ مِمّا أَنزلَ اللهُ عَلَيك بِضعَ عَشرةَ سُورَةً, فَأَعجبَ ذَلِكَ رَسولَ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيه وَسَلم، وَقَال: يَا زَيدُ تَعَلَّم لِي كِتَابَ يَهودَ ; فَإِنِّي وَاللهِ مَا آمنُ يَهودَ عَلَى كِتَابِي, قَالَ زَيدٌ: فَتَعَلَّمتُ لَهُ كِتَابَهُم، مَا مَرَّت بِي خَمسَ عَشرَةَ لَيلَةً حَتى حَذَقتُهُ، وَكُنتُ أَقرَأُ لَهُ كُتُبَهُم إِذَا كَتَبُوا إِلَيهِ، وَأُجِيبُ عَنهُ إِذَا كَتَبَ " هذا الخبر رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ, وعلّق ابن كثير على هذا بقوله " وَهَذَا ذَكَاءٌ مُفرِطٌ جِدًّا ", ويَظهر مِن هذه الحادثة أنّ رسول الله أعجبته قوّة الحفظ التي كان يتمتّع بها زيدٌ, وهكذا ينبغي على العاقل إن وقفَ على شخصٍ له موهبة عقلية أن يُظهر إعجابه بها ويحثّه على استغلالها فيما ينفع ويفيد, ولم يقتصِر رضي الله عنه على معرفة اللغة العبرية فقط بل أمره رسول الله بتعلُّمِ لغة أخرى حيث ذكر ذلك ابن عبد البر فقال :" وكانت تَرِد على رسول الله صلى الله عليه وسلم كُتب بالسّريانِية فأمرَ زيدًا فتعلَّمَها في بِضعة عشر يوما " وهذا الخبر قد رواه أحمدُ في مُسنده عن زيدٍ نَفسه إذ قال : " قال لي رسول الله أتُحسِن السّريانية ؟ قلت لا, قال فتعلَّمها, فتعلَّمتُها فِي سبعة عشر يوما ", أيضا لَم يقِف الأمرُ عِند هذا بل قَالَ أَبو الْحَسَن بن الْبَراءِ :" تَعَلَّمَ الْفَارِسِيَّةَ مِن رَسُول كِسرَى في ثَمَانِيةَ عَشرَ يَومًا، وَتَعَلَّمَ الْحَبَشِيَّةَ وَالرُّومِيَّةَ وَالْقِبطِيَّةَ مِن خُدَّامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ".

 سنّه عند اشتغاله بعِلم اللغات والترجمة

 العجيب في أمره انه كان سنّه عند قدوم رسول الله صلى اله عليه وسلم المدينة ابن إحدى عشرة سنة, وحين تُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عمره إحدى وعشرون سنة, فتصوّر أيها القارئ أنه في تلك الفترة العُمْرِيّة كان - رضي الله عنه - يعرف ستّة لغات أجنبية ويقوم بأعمال الترجمة لخاتم الأنبياء والمرسلين والكتابة لأعظم كتاب مُعجِز, وكثير مِن المسلمين لا يعرِف عنه شيئا.

ربّما يستغرب البعض من هذا ويُنكره, خاصّة أنّ زيدًا كان يستغرق أقل مِن شهرٍ في تعلّم لُغة معيّنة, لكن مِن الناحية العقلية هذا مُمكن, لأن ذلك يحتاج إلى عدّة أمور وقد كانت متوفرة في زيد :

أوّلا أن تعلّم اللغات يعتمِد بالدرجة الأولى على قوّة الحفظ وكان زيدٌ مِمّن يتمتع بذلك

ثانيا أنّ المتعلّم كي يتقن لُغة لابد له مِن الاحتكاك بِأصحابها وكذاك جَرى لِزيدٍ

ثالثا أنّه كلّما كان التفرّغ للتعلّم تاما كلّما نقصت مدّة التعلّم, وزيدٌ كان صغيرا فلم تكن له انشغالات تُعرقِله

رابعا كلّما وُجد التحفيز واستشعر المُتعلِّم الفائدة التي سَيجنِيها زاد إقدامُه وإصراره, وزيدٌ حدث له ذلك إذ كان رسول الله هو مَن يُحفّزه, وكان يدري أنّ الثمرة هِي صِيانة القرآن مِن التلاعب به وأنه سيكون وسيطا بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين رُسل المُلوك والمُدن غير العربية.

العلوم الأخرى التي كان حاذقا فيها

ممّا يزيد الإعجاب به أنّه - كما قلتُ في مُفتتح المقال - قد عُرف تمكّنه مِن عدّة علوم, فقد اشتهر بالكتابة قال أنس - رضي الله عنه - :" جَمع القرآن على عهد رسول الله أربعة، كُلّهم مِن الأنصار, أُبَيّ ، ومُعاذ ، وزيدُ بن ثابت، وأبو زيد ", و قال ابن عبد البر :" وكان زيد يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي وغيره, وكتب بعده لأبي بكر وعمر", وقال الذهبيّ :" ومن جلالة زيدٍ أنّ الصديق اعتمد عليه في كتابة القرآن العظيم في صُحف، وجَمعِه مِن أفواه الرِّجال ، ومِن الأكتاف والرّقاع ، واحتفظوا بِتلك الصحف مدة، فكانت عند الصديق, ثم تسلّمها الفاروق، ثم كانت بعده عند أم المؤمنين حفصة، إلى أن ندب عثمانُ زيدً بن ثابت ونفرًا مِن قريش إلى كتاب هذا المصحف العثماني ولم يبق بأيدي الأمة قرآن سواه " واشتهر بالقضاء قال الشعبي : " القضاة أربعة, عُمر ، وعَلي ، وزيدٌ ، وابن مسعود" , واشتهر بالفقه والفتوى قال مسروق : " كان أصحاب الفتوى مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عُمر، وعلي، وابن مسعود، وزيدٌ ، وأُبيّ ، وأبو موسى ", واشتهر بعلم المواريث - هذا العلم الصّعب والذي يعتمِد على الحساب والعدد- قال الزهري :" لو هلك عثمانٌ وزيدٌ في بعض الزمان، لهلك عِلم الفرائض، لقد أتى على الناس زمانٌ وما يَعلمُها غيرُهُما ".

توفّي رحمه الله ولهُ مِن العُمر ستٌّ وخمسون سنةٍ, ولمّا مات قال أبو هريرة : " ماتَ حَبرُ الأمة " وقال ابن عباس :" هكذا ذهاب العلماء، دُفِن اليوم عِلم كثير".

هذه إشارة خاطفة إلى هذا الصّحابي الفريد في شخصِه , الذي لا يعرفه الكثير من الناس, ولعلّ من أحسن ما نختم به, مقولة المؤرخ الذهبي عنه :" ومناقبه جمّة ". 

-------------------------------------------------------------------------------------

سير أعلام النبلاء للذهبي

البداية والنهاية لابن كثير

الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر