تجربتي مع البطالة كفتاة مغربية  أصيلة

منذ فترة طويلة وصديقة لي تزن على اذني، مصرة هي على ان اكتب تجربتي مع البطالة، باسلوبي الخاص، الاسلوب الساخر الذي اتحدث به معظم الاوقات، ومصرة انا على التزام الصمت، حفاظا على علاقاتي الاجتماعية وعلى صداقتي معها هي بالذات، فقد ضقت بها ذرعا وبنوبات الضحك التي لا اعلم لها سببا ، ولست على استعداد لانتشالها في كل مرة من على ارض الشارع، التي تستلقي عليها مستغرقة في هستيريا ضحك غريبة، لأجد نفسي بين خيار الهرب و والبراءة منها، او تقمص دور رافعة الاثقال، لكن وبما اني لن اكون معها اثناء قراءة المقال" حاضر عزيزتي، "من هذه العين قبل هذه العين"، غير ان للحديث شجون، قد لا التزم بأسلوبي المعتاد..

مشكلتنا يا عزيزتي، أننا ولدنا فتيات في العالم الثالث، ليس الاول او الثاني، بل الثالث، نكذب على انفسنا وعليه، ندلعه من حين لاخر بوصفه في طور النمو، نسأل الله المغفرة، والفقر ليس عيبا، لكن العيب كل العيب هو الجهل المستفحل، خاصة في طبقتنا السفلية هذه، والمزيج يعتبر كارثة عظمى، لك ان تتصوري معنى كونك فتاة، في العالم الثالث، وسط كمية من الجهل والتخلف، حيث لا مجال للتملص من الزواج الا بالزواج..

اثناء الدراسة، كان لدي ما يبرر رفض فكرة الزواج والارتباط، فأنا فتاة ادرس بجد، أتأبط محفظتي او احضنها في هيام، اتوجه الى الصف الدراسي بفستان بطلة المسلسل المكسيكي ذائع الصيت وبتسريحة شعر مبتكرة، بحماس الطفولة التي تأبى التخلي عن ملامحي او حركاتي، و بكريم الوجه "فير اند لوفلي" واحمر الشفاه الوردي..

ظاهري كان يقول باني فتاة تبذل النفس والنفيس من أجل اسقاط رجل، فأنا لم اكن ابخل على نفسي بشيء، ولهذا واجهت مضايقات كثيرة " لماذا تتأنقين وتتبرجين إذا كنت ترفضين التكلم معي" ،" لماذا لا تريدين ربط علاقة حب؟"..

نعم، سمعت مثل هذه العبارات الرومانسية المقرفة كثيرا، فأنا فتاة اقطن بحي شعبي في دولة من دول العالم الثالث، حيث الحب سبيل للحصول على كل ما غلا ثمنه وصعب الوصول اليه، وهذا أكثر ما كان يحفزني على حمل شعار " الله الغني"، لم يكن لدي وقت للتفكير بطريقة للالتصاق بقفا رجل، والغوص معا في مجارير الصرف الصحي، لنخلف اولادا وبنات، ونعيش في ثبات ونبات عفن ونتن، كانت لدي طموحات اكبر من حجم المجرة ..

ثم انتهت الدراسة، ووجدت نفسي فجأة، عارية من دفئ غطا المبرر، بادية للعيان، ليس بيني وبين التلميحات والتصريحات من حاجز، لكن ربك بالمرصاد، جاء الفرج ووجدت فرصة عمل، امسكت بزمارة رقبتها بشدة، والحمد لله ان ليس هناك ما يمنع عمل المرآة، فقد كنا قد قطعنا شوطا طويلا من الديموقراطية ..

لم اكن اتغيب او أتأخر، كنت نعم الفتاة البروليتارية، التي لا تملك أي وسائل إنتاج وتعيش من بيع مجهودها العضلي، على راي كارل ماركس، لكن يبدو ان هذا لم يكن كافيا، كانت هناك محسوبية ولم اتمكن من تقبل الغش والتزوير، ككل من فتح عينيه على قصص عطية الابراشي، ترعرع جنبا الى جنب مع أعداد سلسلة " رجل المستحيل"، "ملف المستقبل"، وختم بالرحيق المختوم والاربعين النووية، مرورا بمسلسلات وافلام وكرتون هادفة، تحث على نبل الاخلاق والعزة والكرامة، تربيك على ان الخير هو المنتصر وان الشر عمره قصير، لكن يبدو ان ذلك مجرد كلام، فقد وجدت نفسي عاطلة عن العمل لفترة محترمة، قبل ان اجد عملا اخر ..

اثناء فترة العطالة والبطالة، لا يتغير شيء كثير يا عزيزتي، ما عدا بعض التفاصيل البسيطة، المقدور عليها، كل ما يلزمك هو فقط صبر ايوب، حكمة لقمان، دعاء يونس، ومعجزة تمكنك من الاحتفاظ بسلامة عقلك.. فقط.

نحن في مجتمع قد يقسو قليلا على الضعيف، لذا لابأس ان تغيرت الاجواء، فنحن في شمال افريقيا، سيبدأ الموضوع بالمناداة عليك مرة واحدة قبل وضع الطعام، بعد ان كان الكل ينادي بلا انقطاع، الكل مصر على تواجدك على المائدة، ثم بعدها، في مرحلة متقدمة لم اختبرها بعد، ستنسى و لن ينادي عليك احد، وهذه سنة الحياة، من حقك ان تشعر بتلك الغصة في حلقك، غصة مرة ، مزعجة ، مؤلمة، لا ينزلها لا ماء ولا غيره، وأنت تتذكر ما كان عليه الحال، قبل ان تصر على تطبيق العدالة وتلعب دور " النمر المقنع" الذي يحارب كل الشرور، من حقك ان ترفع يدك مستسلما امام تدفق عبراتك السخية، فلسنا نملك شيئا امام سلطة الطبيعة وتقلباتها, ومن حقك ان تسهر بعد كل كلمة جارحة، ينام قائلها قرير العين ولا يغمض لك جفن، لكن الحياة تستمر..

قد تلاحظ بعض الحيف الطفيف، لا داعي للتبرم من نصيبك، فانت غير مرئي ، قبل وجه كفك وظهره اذا تذكروك بعظمة، البلد لا تنسى ممثلي الشعب و الفاعلين السياسيين من المساعدات والدعم، في الوقت الذي يسحل فيه المواطن من اجل الحصول على قنينة زيت، اهلك يتدينون بدين البلد، لذلك لا تستغرب اذا كان نصيب من يعمل اكثر من نصيبك انت ايها العالة على المجتمع، ولا داعي لسيل مخاطك ودمعك كلما تذكرت ايام العزة والكرامة، فاخر النفق المظلم نور، او هي نار اشعلها متشرد ما باحثا عن الدفيء.. لا اعلم.

لن يرحب بذهابك الى اي مناسبة اجتماعية، فأنت ابن البطة السوداء، عار على الانسانية، لا عمل ولا ذبلة، الايجابي هو انه سيكون لديك متسع من الوقت للتأمل والخلوة بنفسك، وقت اكثر مما تحتاجه فعلا، لا ضير من مصادقة الافلام والقصص، ولا باس من ربط اواصر الاخوة والصداقة على خصرك وتفريغ كل الطاقات السلبية بالرقص والهز، فلسنا ممن يشكي و يبكي على اكتاف الغرباء، و لسنا ممن يضع يده على خده و يستسلم، نحن نرقص وليكن ما يكن !

سيجدها بعضهم فرصة سانحة لتمريرك الى عصمة أي عاهة بشرية، سيجلبون لك كل متردية ونطيحة وما اكل السبع، فانت عاطلة عن العمل، يعني في حكم الاعاقة والشلل الرباعي، ليس من حقك ان تضعي شروطا، من أنت لتتزوجي رجلا يحبك ويقدرك؟

اما إذا كنت من محبي "السندريلا"، ومقتنعة بفكرة وجود الامير الذي يختطفك من الهم والويل، ليزرعك في قصره المنيف، فأسفة لو خيبت ظنك وقلت انه وحسب الاحصائيات ليس هناك اي زيجة ناجحة لفتاة هاربة من الزفت، من هربت من الويل لن تجد غيره، لم يعد هناك امراء يزورون طبقتنا، ليس امامك الا ابن عمك الأحول، صديق زوجة ابن عنة خالك المطلق بعدد من الاطفال..

في حالات اخرى سمعت بها، بحكم اهتمامي بالبطالة ونفسية العاطلين، قد توضع مائدة الطعام ولا تجدي لك مكانا، قد تمدين يدك الى الصحن فيبعد عن متناولك عمدا، قد تشتمين بما ليس لك دخل فيه، قد ينزع من قدمك حذاء لبسته بالغلط، و ستشعرين بشعور المهاجر الغريب، ستنهرين وتوبخين بلا سبب، ستحاسبين على اللقمة، ستضيقين ذرعا وقد تقررين المغادرة الى مكان افضل..

كل الظروف ستتكاثف و ستدفعك الى التمدد أمام أول فرصة زواج، باعتباره الحل الاخير، باعتباره ملاذا، حيث لا تلميحات ولا شماتة ولا تغامز وتنابز، مكان حيث يمكنك الجلوس واخذ استراحة من كل ما جرح قلبك وكرامتك، ستحلمين بيوم اجازة مما تلاقينه، فإياك والضعف..

المسيء يا عزيزتي لا يشعر بأنه يسيء لك، وهذه هي الطامة الكبرى، هو فرد من مجتمع، شخص يحمل جينات وذاكرة اجداد لا يعرفهم، ونحن يا عزيزتي اشخاص حساسون للغاية، رومانسيون وحالمون، نفهم كثيرا، اذكياء جدا، وتلك مشكلتنا..

البطالة والجلوس على الحديدة، يعلمان الكثير، قد لا تشعر الا ببرودة الحديدة و الغصة الملازمة اثناء غوصك في برك الويل، لكنك ستكتشف عند الخروج انك تغيرت بشكل مهول، ستصبح اكثر صمتا، اكثر هدوء، ستفضل الوحدة والخلوة على أي شيء، ستصبح انانيا جدا، لأنك من قبل لم تجد الا نفسك، استيقظت فزعا ولم تجد من يضمك، بكيت ولم تجد من يمسح دمعك، قلت " الاااااه" ولم يسمعك أحد، بعد نجاتك سيحاولون اقناعك بضرورة ان تكون اجتماعيا، ان تتغير، ابتسم بعينيك قبل شفتيك ولا تضيع اي "كالوري" في الرد.

نجاة حمص