أسميتها عـــــائشة

الفصل الأول

في اتجاهها لمتجر أبيها وهي تدندن مغردة على أنغام كلمات " يا بشير الأنس غني واطرب الروح والخيال ردد ألحان وهني كل عاشق بالوصال ..." لأم كلثوم، حاملة بكفيها كبجرة خبز و صحن حمص بالكرعين اللذيذ أعدته بحب وبإتقان كبيرين لوالدها الذي يعمل حلاقا "بدرب اليهود" ، هنالك في آخر الشارع كان يقف مغرم ولهان يراقبها بإمعان، قد تكون رائحة الكرعين ما لفتت انتباهه إليها لأنه لم يكن داعٍ للعطر في ذلك الوقت، كما أنه لم يمعن النظر إليها ولا هو اعترض طريقها يوما، ويعود ذلك طبعا لسببين وجيهين، أولهما أن تلك السمات ليست من شيمه، و السبب الآخر أنه يعرفها تمام المعرفة منذ مدة ليست بالقصيرة ، فلم يكن داع لرؤية وجهها البريء ذو الملامح الطفولية الذي لم تجد الملونات وأدوات الزينة طريقا إليه، بيد أنه انجذب إليها كما يصبو المغناطيس إلى الحديد، وهي أضحت تعلم مع توالي الأيام أن هنالك "شرلوك هولمز" يحقق حولها، ذلك الشاب ذو الشعر الأسود الداكن طويل الساقين والذراعين، نحيل البنية، بني العينين، ذو لحية جافّة، والذي كان عادة ما يتعطر برائحة المسك، كان يلاحظ أدق التفاصيل عنها وهي كذلك كانت تفعل، لقد عرفت أنه ملاكها الحارس الذي سيحميها بعد الله عز وجل لذلك قلّلت من خرجاتها أملا في أن يعرف أنها تعلم بوجوده وأن يأتي البيت من بابه، كان على أحمد أن يتبنّن حتى يتبيّن لكنّه لم يفعل، وما هي إلا أيام معدودات صارح الشاب والدته.

بعد أن نظّف غبراء غرفته التي يكسوها الغبار لأيام على غير عادته، رتّب ثيابه بالخزانة المكوّنة من طابقين ثمّ استحم على عَجَلٍ، صلّى صلاة استخارة أملا في أن تتواطأ السيدة الوالدة وتُكَلّم السيد الوالد صاحب السمو والمكانة.

اقرأ أيضا : المربي الناجح                                                                                                                   

جهّز أحمد نفسه بعد أن خاطب المرآة سبعا وسبعين مرة أملا في أن تسلم الجرّة هذه المرة، ثم اعتدّ بأسلحته وانطلق طالبا الرحمة.

يقول أحمد: توجهت نحو المطبخ وكأنّ شيء لم يكن أطريت على وجبة الغداء ثم اتجهت نحو السيدة الوالدة وهي جالسة تسبح بحمد الله، حملت الكرسي الخشبي الأعرج بعدها جلست مقابل وجهها ثم أسندت ركبتيّ إلى ركبتيها وابتسامتي مخلوطة بالخوف مع الرجاء وأن يوفقني الله في هذه المهمة التي لا أحسن خوضها، كان الوقت عصرا، أذّن المؤذن للصلاة فساد الصمت والسكون الأجواء، وقد سجوتُ قبل أن تختم الدعاء وتخاطبني:

-"اطلب ما شئت قبل أن أقوم للصلاة، فلقد اعتدت على جنونك وتملقك"

ابتسمتُ ثم اعترفتُ بأنني أرغب بالتقدم لخطبة إحدى فتيات القرية - المعدودات أصلا على رؤوس الأصابع آنذاك- وأنني ولعت بها وذهلت من هول ما لمحت من سحر مقلتيها و جمال ما كشف من وجهها الحسن، ناهيك عن أخلاقها -لقد بدا الأمر وكأنني أصف تلك النجمة التي نَجَمَ نورها في سماء ليلي المظلم ، لكنها كانت حقا تستحق كل ذلك الثناء-،مليحة، حسناء صبوحة ذات شعر متهدل و ما خفي من حسنها كان أعظم، بيد أن أهم شيء هو  حصافتها وكم هي بديعة الخلق ...وكذا ابتسامتها التي انفطر لها فؤادي.

ثم نظرتْ_ إليّ وقالت: "من أين جئت بهذه... من الجنة مثلا؟ أم هي ملك كريم؟"

-"إنها تسكن غير بعيد من هنا، لقد اقتفيت أثرها، وسأحارب لأجلها..."

-" أممممم جيّد... جيد جدا...حسنا اذهب لتستحم ..."

-"في الحقيقة لم يعمني الحب وأنا فقط أحاول أن أصدقك القول وأن لا أبخسها حقها فهي حرفيا تستحق كل حرف قلته فيها ، لكل هذه الأسباب ألتمس من سيادتكم أن تساعفوا رغبتي في التقدم لخطبتها، ولن أبرح مكاني حتى أسمع الإجابة الصحيحة..."

بعد ابتسامة داهية من والدته -لا تعرف دوافعها ولا فحواها- نظرتْ إليه وهو جالس يحدّق بالأرض ينتظر ردّ معالي سعادة وزيرة الداخلية و في نفس الوقت يصارع من أجل إخفاء ما بدا من خجل على وجهه ،

ثم فجأة نطقتْ قائلة " آ كبرتي آ العفريت "

-هنالك دعا أحمد ربه أني مغلوب فانتصر، كان يتمنى لو أن الجب الذي خلفه قد ابتلعه- شزرها بخجل ثم تبسّم ضاحكا من قولها وما يزال يفعل إلى أن سمع طرق الباب ثلاث دقات متزامنة أتبعت بأخرى على شاكلتها... الجميع يعرف من خلف الباب لكنهم اعتادوا أن يسألوا...

"من الطارق؟"...

يجيب السيد الوالد: "قريب" ، -يبدو أنها كلمة المرور- .

يفتح أحمد الباب ثم يقبّل يدي وجبين والده الحاج صالح الرجل الذي جاوز الستين من عمره ذو الوجه الحانق، يتوضأ الحاج ليؤم أهله لصلاة العشاء، بعدها يلتئم الجميع للمائدة يتناولون أطراف الحديث بينهم ، هنالك حيث تعرض السيدة الوالدة مقدمة تثني فيها على الحاجة حليمة التي لا تطيقها ...

- "أتعلم أن الحاجة حليمة زوّجت ابنها خالد، لقد كان بالأمس صبيا ظريفا يجري و يلعب الغميضة رفقة أحمد، وها هو الآن زوج صالح".

الحاج صالح غير مكترث: " لقد دعيت لزفافه ، لقد كنت متعبا لكنني حضرت ونسيت ما الذي قدموه للغداء لذلك لن أستطيع اخبارك كالعادة".

- " أعلم...أعلم ، لقد قدموا لكم قصرية كسكس وكأس لبن... لقد علمت من الحاجة 'حدهوم' "

- " نعم ...لقد فعلوا... -ثم يحدّق مليّا في ابنته الصغيرة 'رحمة' ثم راح يحاورها قائلا:

"ما الذي تعلمته اليوم في المدرسة يا ابنتي؟ ".

كانت طفلة لطيفة و فطنة سمراء بلون القمح تلبس ثيابا بالية محبة للأدب- أجابت :

- لقد حفظت أبياتا للشاعر 'أحمد شوقي' يقول في مطلعها:

" إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا".

بينما الجميع يستمعون لأشعار 'أحمد شوقي' يختفي أحمد في صمت، فهو لا يمتلك الأفضلية في مثل هكذا حوارات، بعد العشاء يجتمع القضاة خلف الأبواب المغلقة للبث في القضية، ورغم عدم توفر الشارات بما يكفي لدعم ملف أحمد، إلا أنهم لم يجدوا حرجا من قبول دعوته خصوصا وهم يعرفون تمام المعرفة عناد ابنهم وتعنُّتهُ، كونه سيستأنف الحكم لا محالة ، ولا ريب أنه رشى السيدة الوالدة بجلابة بهيّة اقتناها بخمسين سنتيما تقاضاها من تعب يومين أمضاهما في جني الفلفل الحار، وافق الوالد دون تردد على أن يرافق ابنه الوحيد وفلذة كبده، لكن السؤال المطروح هو: إلى أين ؟ أي منزل سيقصدون ؟ ".

 وكانت الإجابة بيت السيد سليمان...

يمكنك متابعة القراءة من هنا