يوميات معقد خشبي / الجزء الخامس

لما لا تُكتب الذكريات بعد الموت؟! ولما لا يَوَصِفُ أحدهم كيف يكون ذلك الموت؟ وذلك الذي رأى الحِمَام، هل ذاب على شكل بحيراتٍ مِن الندم؟! يُحمَلُ على أكتافٍ مُتَحِدةٍ تَشاركَتِ الحُزن والألم، لا عدوٌ لَهُ شامتٌ، فلا يَشمتُ العدوُ بِمن هَمَد!

مروا علي مرورًا فاتِرًا يَستَهلِكُ الروح والبَدن! لم يشئ أن يَنفُث أحدهم أتعابهُ على مقعدي! أعيُنهُم تُرَنِمُ ذات الأُغنية، حزينةٌ بأوتارٍ ذابِلة! لا نارٌ تُفرِقُ جَمعهُم! ولا ضجيجٌ يُقاطِعُ وَهنَ أرواحِهم!

يتقطع قلب تِلك الحبية، شجرةٌ واقفةٌ على الطريق! "إلى أين يا مَن أسقيت ناصيتي؟ وبنيت قصرًا على غُصني؟ إلى أين يا من تناولت من ثمري؟ أشاءت الأقدار أن نفترق قبل أن نلتقي؟ كيف ينسى المرأ إن دخلت شرارة الحب قلبهُ وأحْيَّته؟!" ثم إنحنت يائسةً وتناثر التراب فَهرِمَت!

أهْوَى ظِلُ أخاه أرضًا يَرفعه! فلا هو بقوةٍ يحمل خُطاه! ولا ظلهُ يخفف عنه إزره! حائرٌ يقلب الدموع المنتهية! تَلتَهِمُهُ كُثبانُ الَكرْب ولا يحركُ ساكِنًا! صمتٌ حل ولا صدى للصَمت! "كم حجرًا خسِر الصَرحُ مِن بعدك؟أسيبقى الصَرحُ هو ذات الصَرح؟!" تساءل!

وذلك الطريق يطول بهم، يعيدهم إلى الوراء كرةً وكرةً يوقف أرضهم، يومٌ طويل أبى الطريق أن يضع لهُ حَدًا! يتمايل ويصبح غليظًا فيبكي السائرون! يتعكرُ ويمتزج بالنار فيصرخ المارون! يهدأ ويقصر فجأةً فيخافون العابرون!

أمام عيني تَسربَ فَوجٌ مِن الحزن، لا شمُسٌ لهم ولا قمرٌ يرشدهم، ضائعون هُم نازفون! أيديهم تمشط الطرقات، ومن خلفهم تركوا بحيرات بائسة تقتل كل أخضرٍ كان! لا وصف لِمن حملوا التابوت وإرتَحلوا! "اليوم نحنُ الحَامِلون وغدًا نحن المَحمولون!".

لا هدوءٌ يُعكر صَفوا الشَجْن! ولا شمسٌ تًخترق الغَيهَب! ولا وقتٌ يمضي فينهي هذا اليوم، "إنه يمتد لسنين قادمة!" هكذا قالت إحدى الغيمات البائسة!

وكأني سمعت التابوت يقول "لا شيء بعد الآن ينقذني، ولا دموع الكون كُلها تؤازِرُني" فهدئ كُل الكون!

 

#فتاة_الندف