إن المرشح كائن دوري مُدار
د. نزيه حاجبي

تقمص نزيه جُبَّةَ الفيلسوف الاجتماعي الذي يعاين الأشياء من أعلى، محاولا أن يفكك مكونات المسرحية التي تُمثَّل على خشبة مسرح الواقع، سيساعده في عملية التفكيك والفهم فيلسوفان تردد اسميهما على دفات عدة كتب بخزانته، وعلى مئات الصفحات من كتب أخرى، وهما أبو يعرب المرزوقي وكارل بوبر، فجعلهما يديران محاورة فلسفية افتراضية حول القضية التي تشغل باله:
يقول كارل بوبر: إن التواطؤ بين الدولة والمجتمع المدني مرده حسب أفلاطون إلى عدم الكمال في تصور كل منهما، مع التركيز على تصور الدولة أساسا، وإذا أردنا الوصول إلى المدينة الفاضلة فعلى كل من الدولة والفرد أن يبلغا إلى الكمال حتى تتوفر البيئة الاجتماعية الملائمة.
يجب أن نعرف أنه عندما تغيب العدالة الاجتماعية يتهدم النظام الاجتماعي المسؤول عن بناء وهندسة المجتمع (يصمت قليلا، ثم يستطرد) إن أهمية العدالة للنظام الاجتماعي كأهمية الحقيقة للنظام المعرفي، فهي فضيلة الفضائل بالمعنى الأرسطي.
يرد أبو يعرب المرزوفي: إن جذور المشكل أكثر تعمقا مما ذكرت، فالاشكال يتمثل في عدم قدرة الدولة على فهم وظيفتها، والمجتمع المدني صار مطلبيا لا يساهم في الإنتاج، والدولة صارت تخلط بين وظيفة العناية والحماية دون تخطيط مسبق، فمثلا وظيفة الدولة الحامية هي توفير القضاء والتوصيف القانوني، وتوفير الأمن باعتباره التنفيذ الاجرائي للقانون، ثم تعنى بالديبلوماسية والدفاع الخارجي. أما وظيفة العناية التي من المفروض أن يتكلف بها المجتمع الأهلي صارت الدولة تتدخل فيها، والمقصود بالعناية هو التكوين والتمويل، يندرج ضمن التكوين مبدآن: التربية كإجراء نظري، ومبدأ المجتمع الذي يلعب دور الحكَم، أما التمويل فيدخل تحت غطائه مبدأ الثقافة والاقتصاد. هذه المبادئ الأربعة يجمعها وعاء البحث العلمي باعتباره شرط الثقافة والتربية وأخلاق الجماعة.
كارل بوبر: ربما الصراع في الفعل، ألا ترى معي أن المشكل في لا عقلانية الهندسة الاجتماعية؟ حيث أن طغيان اليوتوبيا على بعض الفاعلين، فالنشاط السياسي لهؤلاء يطمح إلى الميثالية دون وجود برنامج للمجتمع أمام ناظريهم، فمسؤولية الدولة أهم من مسؤولية المجتمع.
أبو يعرب المرزوقي: صحيح، لكن إذا عدنا إلى هوبز، سنجده يقول إن العقل هو أساس الدولة، ولا بد من التخلي عن الحرية الفردية لضمان الحرية الجماعية، لكن المشكل يظهر في الذي سيمثل الجماعة في تطبيق القانون، وقد يؤدي هذا إلى استبداد الدولة دون مرعاة الخصوصية المحلية. لكن مسؤولية المجتمع تظهر مع سبينوزا عندما يقول بأن البشر لا يستجيبون للعقل بل إلى العواطف والانفعال، وهذا يجعل شروط التنمية في خبر كان، إذا لم يتم التوفيق بين العواطف والمصالح.
كارل بوبر: هناك نظرية تقول إن تحقيق دولة مثالية خالية من التشوهات غير المقبولة، يفرض خطة عمل للمجتمع ككل، وهذا يتطلب حكما مركزيا للقلة، لكن من المحتمل أن يؤدي ذلك إلى الديكتاتورية. (يرى نزيه أن وجود ديكتاتور حسن النوايا ومطبوع على حب الخير قد يكون أفضل من الديموقراطية التي تسمح للحمقى بتدبير الشأن العام بدعوى أن صناديق الاقتراع أفرزتهم). يجب أن نقر بأن إعادة بناء المجتمع يعتبر مشروعا كبيرا يتعين أن يسبب إزعاجا شديدا للعديد، وعلى امتداد طويل من الزمن، على المسؤول أحيانا قمع الاعتراضات غير المعقولة، ولسوف أقول مثلما قال لينين "لا يمكنك أن تصنع قرصا من الجعة دون كسر البيض".
في اعتقاد نزيه، وحسب فهمه لفكرة كارل بوبر فالمسؤول عن حالة هذا التشوه الترابي هو الطرح القديم الذي يشير إلى أن الغاية تبرر الوسيلة، ثم يتدارك ويقول، لا توجد غاية واحدة تبرر كل الوسائل، فحسب جدلية هِيكل نبتعد عن الغاية المنشودة إذا لم يكن مخططا لها بوضوح على الإطلاق. تتأكد فرضية نزيه بعدما عاد بذهنه إلى بعض برامج عمل الجماعات التي وجد فيها افتقادها لرؤية واضحة، منطق العشوائيات والاتجالية هو السائد، حتى لدى القائمين عليها لا تصور لهم أبدا في أفق خمس سنوات القادمة... وإن كان لهم تصور ما لا يمتلكون القوة لتنزيله. إن المرشح كائن دوري مُدار.