يُعد الكركمين المكون الكيميائي الفعّال الأساسي في نبات الكركم، والكركم فرد من أفراد المجموعة النباتية "كركوما" من عائلة الزنجبيل.

وقد كشفت الدراسات العلمية المكثفة التي أجريت على نبات الكركم منذ النصف الثاني من القرن الحالي تأثيره الوقائي الواسع ضد الكثير من الأمراض التي قد تصيب الإنسان.

خصائص الكركمين العلاجية

هذا الجزئ الذي لا يرى بالعين المجردة، يملك خواصًا مضادة للميكروبات، والالتهابات، إلى جانب قدرته على خفض ضغط الدم ومعدل الدهون ونسبة السكر في الدم، فضلًا عن فاعليته ضد السرطانات، والصدفية، والتجلطات، ثم أن له تأثير مقاوم لسموم الكبد، وغيرها من الفوائد التي أذهلت العلماء.

ومن خلال الدراسات التي أجريت على الحيوانات تبين أن للكركمين القدرة على تحفيز التخلُّق في النسيج العصبي للحُصَين (Hippocampus) في أدمغة الحيوانات البالغة، عن طريق زيادة الخلايا الناشئة في منطقة التلفيف المسنن في الحُصَين.

وأثبتت إحدى الدراسات، أن للجرعات المنخفضة من الكركمين فاعلية في تفكيك بروتينات الأميلويد بيتا، مما له أبلغ الأثر في الحماية من مرض الألزهايمر.

وهناك العديد من الدلائل التي أثبتت بالتجربة تأثير الكركمين الواقي من أنواع مختلفة من النوبات الصرعية في الحيوانات، مثل: النوبات الصرعية المتأججة في النواة اللوزية في الدماغ، وأيضًا في نوبات الصرع الناتجة عن الصدمات الكهربية.

وأوردت التقارير كفاءة الكركمين المضادة للاكتئاب عند تجربته على الحيوانات المصابة بالاكتئاب.

وللكركمين استخدام آخر مثير؛ إذ يستخدم في علاج اعتلال الأعصاب السكري.

الكركمين والاكتئاب

في الآونة الأخيرة، ازدادت البحوث التي تستكشف الخواص المضادة للاكتئاب زيادة هائلة.

وترجع فاعلية الجزئ المضادة للاكتئاب إلى قدرته على تعديل إفراز هرموني السيرُوتونين والدوبامين.

الكركمين والاكتئاب الكبير

يُعد الاكتئاب الكبير اضطرابًا عصبيًا شديدًا، يتسم بمزاج متأرجح بين الإحباط والتهيج، وفقدان الاهتمام في ممارسة الأنشطة التي قد تجلب المتعة، بالإضافة إلى فقدان ملحوظ بالوزن أو زيادته، مع الأرق أو رغبة ملحة في النوم، ويعاني المريض هياجًا نفسيًا حركيًا، أو تأخر أو شعور بالإرهاق وفقدان الطاقة، أو قد يشعر بانعدام الفائدة أو الشعور بالذنب المستمر، وضعف القدرة على التركيز، وزيادة الميول الانتحارية.

ويعاني قرابة 15-20% من إجمالي عدد السكان في الولايات المتحدة من هذا الاضطراب في وقتٍ ما من حياتهم.

وعلى الرغم من توافر مضادات الاكتئاب المتعددة، فإننا مازلنا غير قادرين على معالجة 20-30% من المرضى المصابين بالاكتئاب.

إلا أن مضادات الاكتئاب يصاحبها الكثير من الأعراض الجانبية والتداخلات الدوائية مع بعضها وأيضًا التداخلات الدوائية مع الأطعمة والأشربة.

ولذا، فإن إيجاد أبدال دوائية علاجية فعَّالة وآمنة أمر بالغ الأهمية في علاج الاكتئاب الكبير.

وقد ثبت أن جزئ الكركمين له تأثير مضاد للاكتئاب في الحيوانات المصابة بأنواع مختلفة من الاكتئاب.

فإن حقن الكركمين بجرعات تتراوح بين 40 إلى 80 مجم/كجم؛ عكست تأثير الاكتئاب السلوكي الناتج من عقار الريزيربين.

وأوضحت دراسات أخرى أن الكركمين يعزز التأثير المضاد للاكتئاب لجرعة 5 مجم/كجم من عقار الترانيلسيبرومين، ولجرعة 5 مجم/كجم من عقار سيليجيلين، وهما دواءان من العائلة المثبطة لأنزيم الأوكسيديز أحادي الأمين.

ويهمنا هنا الإشارة إلى أن أنزيم الأوكسيديز أحادي الأمين هو أنزيم يختص بانحلال النواقل الكيميائية ذات التأثير المضاد للاكتئاب مثل: نورإبينفرين، وسيروتونين، ودوبامين.

إذ يرفع الكركمين تركيز الناقلات العصبية في منطقة التشابك عن طريق تثبيط نشاط أنزيم الأوكسيديز أحادي الأمين وعلى ذلك يزيد زمن تأثير هذه الناقلات.

ونجد أن الكركمين يعزز التأثير المضاد للاكتئاب لعقار الفلوكسيتين وهو أحد مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية، إذا أُعطي بجرعات دون الجرعات الفعَّالة، وكذلك الحال مع عقار بوبروبيون وهو مثبط لاسترداد الدوبامين و عقار فينلافاكسين المثبط لاسترداد السيروتونين والنورأبينفرين.

ومن المثير للاهتمام، أن الكركمين لم يعزز التأثير المضاد للاكتئاب للعقارين ديسيبرامين وإميبرامين وهما مضادان للاكتئاب ثلاثي الحلقات ومثبطان لاسترداد النورأبينفرين.

وهذا مؤشر لتدخل النظامين السيروتوني والدوباميني في فاعلية الكركمين المضادة للاكتئاب.

وعلى ذلك، نستخلص من كل ما سبق؛ أن التأثير المضاد للاكتئاب لجزئ الكركمين يعتمد على التوصيل العصبي السيروتوني إلى حد بعيد، الذي أُكِّد فيما بعد في دراسة أجراها العلماء، أثبتت أن تأثير الكركمين المضاد للاكتئاب يمكن منعه باستخدام مركب بارا كلوروفينيل ألانين لتثبيط أنزيم هيدروكسيليز التريبتوفان.

الكركمين والتوافر الحيوي

على الرغم من إمكانية جزيئات الكركمين اختراق الحاجز الدموي الدماغي بسهولة بسبب صغر وزنها الجزيئي وتركيبها غير القطبي، فإنه يتصف بضعف التوافر الحيوي الفموي.

ومع ذلك، فقد أثبتت الدراسات إمكانية زيادة التوافر الحيوي للكركمين عن طريق خلطه مع مواد رافعة للتوافر الحيوي مثل: بيبيرين.

فظهر أن حَقْن البيبرين بجرعة 2.5 مجم/كجم؛ حَفَّز تأثير الكركمين المضاد للاكتئاب.

إذ لوحظ زيادة ملحوظة في مستويات مركبات أحادي الأمين مثل: السيروتونين، والدوبامين، وحمض الهوموفانيليك، حمض 5- هيدروكسي إندول استيك، مقارنةً بحقن الكركمين وحده.

تأثير الكركمين في اعتلال الأعصاب السكري

يعد اعتلال الأعصاب السكري -أحد مضاعفات مرض السكري المعروفة- من أصعب أنواع الآلام التي يمكن معالجتها.

وقد يتعرض حوالي 50% من الأشخاص المصابين بمرض السكري لتلف أحد الأعصاب في وقتٍ ما من حياتهم.

وينشأ هذا الألم نتيجة تلف الأعصاب الناتج من ارتفاع مستويات السكر في الدم.

وتتضمن الأعراض ألمًا عميقًا يشيع ظهوره في الساق والقدم، يصاحبه فقدان الإحساس بالدفء والبرودة مع حدوث تشنجات عضلية، وتنميل ووخز، أو إحساس الحرقان في الأطراف وخصوصًا القدم، فضلًا عن الشعور بالضعف.

ويعد فرط التألم علامة مميزة نمطية لألم اعتلال الأعصاب

ويتوفر العديد من العقاقير لعلاج هذا العرض، وتتضمن مضادات الاكتئاب مثل: أميتريبتيلين، ودوكسيبين، ودولوكسيتين، والأدوية المضادة للنوبات الصرعية مثل: جابابنتين، وبريجابالين، وكاربامازيبين، وفالبروات، ومضادات الالتهاب مثل: الأفيونات وكابسايسين.

إن عدم الفهم الكامل لمسببات المرض، مع حدوث تعود أو تسمم محتمل من مضادات مستقبلات الألم التقليدية مهد الطريق للبحث عن مركبات جديدة لتخفيف هذا الألم.

وقد ساعدت حقيقة امتلاك الكركمين خواص مضادة للالتهاب والتي تضمنت تأثير مثبط لمستويات إنتاج إنترلوكين -8، وإنترلوكين - 1β، وعامل النخر الورمي-α، على ملاحظة تأثيره العلاجي لاعتلال الأعصاب السكري.

وقد وجد العلماء أن لهذا الجزئ قدرة على حماية الأعصاب الطرفية ضد الكثير من الأمراض التي قد تصيب الأعصاب، إذ يعزز الكركمين تأثير الأنسولين الخافض للسكر ويمنع حدوث اعتلال الأعصاب السكري.

وهناك تجارب مبكرة توضح تأثير الكركمين في حماية الأعصاب في الحيوانات المصابة بخلل الحركة المتأخر.

لذا يمكن اعتبار أن الكركمين عامل جديد مضاد لمستقبلات الألم، ويمكن اعتباره حل دوائي في علاج ألم اعتلال الأعصاب المصاحب لمرض السكري.

أخيرًا... قد يصبح الكركمين عقار مستقبلي لعلاج الاضطرابات العصبية المتنوعة مثل: الاكتئاب الكبير، خلل الحركة المتأخر، اعتلال الأعصاب السكري.