_ما بك يا آدم مالذّي أزعجك ؟ لماذا تبدو مهموما ؟ ألا تعلم أنّ العيد غدا ؟

_ و ماذا يعني ذلك ،هل هناك للعيد أيّ طعم يذكر بعد أن رحل الكثير من الأحباب، مضى زمن العيد و الفرح..أضحى العيد اليوم كسائر الأيّام لا شأن له يذكر...سواء عيد الفطر أو الأضحى كلّها بلا معنى...

_ما الذّي دهاك ما عهدتك ضعيفا هكذا ؟

_إنّها هموم يا سلمى  شغلت بالي و ديون أثقلت كاهلي...فما عدت أرى أيّ خير في حالي !

-تعال معي لحظة !

_إلى أين تأخذينني ،...ماذا سنفعل في غرفة هشام ؟

_صه..أخفض صوتك إنّه نائم ! و أخبرني الآن بالذّي تراه !

_ماذا تقصيدين يا سلمى إنّني متعب ،اتركيني و شأني ...ماذا سأرى هذا هشام طفلنا ينام في سريره ..و ما الغريب في ذلك ؟

_ لعلّك إذا أمعنت النظر قليلا سترى شيئا آخر! أنظر مثلا إلى وجه طفلك ألا ترى أنّه ينام مبتسما !  و انظر ماذا يحمل في يده ،أجل هيّ ملابس العيد رفض أن يتركها !..ثمّ أنظر إلى تلك الطّاولة كيف مكث طوال الظّهيرة يقصّ و يصنع شرائطا يزيّن بها أضحيته !

و هل تعلم عندما سألته بماذا أجابني : قال : " يا أمّاه أليس هذا عيدنا نحن المسلمون ، و نقدّم هذا الكبش قربانا للّه تعالى لذلك أريده أن يكون الأجمل على الاطلاق..."

_أحقّا قال هشام ذلك ؟ متى كبر هذا الطّفل ؟

_قال أكثر من ذلك ، قال أنّه سينام باكرا كي يذهب معك لصلاة العيد..و يمسك معك الكبش عند النّحر ..

و الآن اسمعني جيّدا يا آدم و خذ منيّ هاته الكلمات و حاول أن لا تنساها أبدا :

لقد قرأت كلمات جميلة للغاية للرّفاعي..و كان أكثر ما أعجبني منها كلمات تتحدّث عن العيد من وجهة نظر الأطفال ..حتّى أنّه يوصي الكبار بتقليد الصّغار في الأعياد..ذلك أنّهم بطفولتهم و برائتهم العذبة الغضّة ،يقدرون أن يروا أشياءا حجبنا عنها نحن الكبار بما جمعناه من معاصي و هموم ..

أنظر ماذا يقول الرّفاعيّ : خرجتُ أجتلي العيد في مظهره الحقيقي على هؤلاء الأطفال السعداء.أتعلم ماذا يعني هذا الكلام ،يعني أنّنا فقدنا المغزى الحقيقي من وراء الاحتفال بالعيد و سلبناه معناه فبتنا كسائر الأيّام نراه و حجبنا بعبوسنا خفاياه و ضيّعنا هداياه.

أنظر لبديع وصف عالم الأطفال ":ويأخذون من الأشياء لأنفسهم فيفرحون بها، ولا يأخذون من أنفسهم للأشياء كيلا يوجدوا لها الهم." و اللّه و كأنّي بهؤلاء الأطفال فهموا الحياة بعينها..تلك الحياة التّي لم نفقه كنهها و سرنا في جنانها و لم نبصر ألوانها و رفرفت حولنا طيورها و لم نسمع ألحانها ....

حقّا هوّ معنى جديد للأطفال و للعيد لم نعهده من قبل قطّ : "يثيرون السخط بالضجيج والحركة، فيكونون مع الناس على خلاف؛ لأنهم على وفاق مع الطبيعة."...على وفاق مع الطّبيعة ! ...كم فكّرت بتلك الكلمة لو تدري...حقّا كم ابتعدنا نحن عن فطرتنا الانسانيّة..و شوّهناها بمعاني المدنيّة...و ببعدنا عن الطّبيعة استوجدنا كلّ بليّة ...مع أنّ السّعادة معدية فقط لو استضافها شخص، أبت إلاّ أن تكون رحلتها أبديّة .. و هذا ما يعلمه أطفالنا "وإذا لم تكثر الأشياء الكثيرة في النفس، كثرت السعادة ولو من قلة."

للّه درّ تلك الكلمات ما أجملها و رحم اللّه قائلها :"وكذلك تحمل السنة ثم تلد للأطفال يوم العيد؛ فيستقبلونه كأنه محتاج إلى لهوهم الطبيعي، ويملؤهم الشعور بالفرح الحقيقي الكامن في سر العالم لقربهم من هذا السر." أجل الأطفال قريبون حقّا من هذا السرّ و لكن أيّ سرّ هوّ ،أتراه سرّ العيش أم الفرح أم الرّاحة أم البهجة أم البسمة ...الأطفال يعلمون سرّ كلّ هذا و أكثر ..و في نظري عالم الأطفال أرقّ من تعبّر عنه الكلمات ...لأنّ كلماتنا أيضا قد لوثناها بخطايانا فأنّى يصف النّقاء إلاّ النّقاء و أنّى يعرف الصّفاء من خالطته الأقذاء!...و لكن قد يكون العيد فرصة لنا لنتذّكر و نتذوّق حلاوة الحياة  فهوّ"زمن قصير ظريف ضاحك، تفرضه الأديان على الناس؛ ليكون لهم بين الحين والحين يوم طبيعي في هذه الحياة التي انتقلت عن طبيعتها."

من قال أنّ الهموم ستزول ما فهم شيئا من كنه الحياة ..و لكن أحيانا قد يفيدنا أن نتوقّف لبرهة و نجرّب فنّ اللاّمبلاة..ذلك الفنّ الذّي يتقنه الأطفال ببراعة و بكلّ ثبات...فلا يحزنون على ما فات..و لا يهمّهم بماذا الغد هوّ آت..يكفيهم أن يعيشوا اللّحظة و يبتسموا و لو من أجل قطعة حلويات ...

لذلك يا عزيزي آدم ...ما رأيك لو نسرق بهجة العيد من الأطفال...و الأطفال للسعادة خير مثال.


                                                           عيدكم مبارك 💖💖💖