بسم اللّه الرّحمن الرّحيم و به ثقتي و أستعين ,

هذا محدّثكم "معروف " خادم أمير المؤمنين "هارون الرّشيد " رحمه اللّه و جزاه عنّا كلّ خير ...

أمّا بعد ، هناك سبين دفعا بي لكتابة هذا الكتاب أوّلهما رغبة ملحّة من أبنائي و أهل زماني في معرفة الرّشيد و ثانيهما و الأهمّ الخزعبلات و الإشاعات التّي تتكاثر يوما فيوما بنيّة تشويه صورة أمير المؤمنين.

قبل أن أبدأ و دفتر التّاريخ أفتح و باب الذّكريات ألج، أودّ أن يعرف كلّ من أحدّث أنّ ما سأذكره في هذا الكتاب هوّ ما عشته شخصيّا و لم يكن لي مرويّا و ليس مفتريا....

إنّ صعود السّلم الزّمني بشكل عكسيّ لأمر مرهق للرّوح مؤرق لراحة اليوم و إن كان في الأمس خير فإنّ تذكّره اليوم أمر عسر...و لكنّ لا بدّ من ذلك إن كان من فائدة في الأمر..

سأبدأ بأوّل لحظة قابلت فيها أمير المؤمنين "هارون الرّشيد "...كنت حينها صبيّا لم أجاوز العاشرة من عمري حين قدم بي والدي الذّي كان أحد المستشارين  لمجلس الخليفة..و كان ذلك في يوم السبت السادس عشر من ربيع الأول سنة 170  مع السّاعة العاشرة صباحا, لا أنسى هذه التّفاصيل ما حييت فقد كان يوما محفورا في ذاكرتي..كنت مبهورا بما أراه ,مشدوها بما ألقاه..و كنت أمشي و أنظر للسّقف حتّى نسيت أن أنظر أمامي...و فجأة لم أرى أمامي سوى خاتم فضيّ أنيق كتب عليه بخطّ رقيق" لا إله إلّا اللّه "و إذا بي قد اصطدمت بأمير المؤمنين على حين غفلة منّي..أمّا هوّ فاستغرق في الضّحك وهوّ يداعب شعري و دعا لي و لوالدي بالخير..

قد يكون موقفا بسيطا و لكن بعظم الشّخص يعظم الموقف..لم أنس قطّ ذلك الخاتم و لا تلك اليد و لا تلك الابتسامة و لا ذلك التّواضع..و لا تنسوه أبدا سيرافقنا في حكايتنا مرارا....

مرّت الأيام و كبرت و كنت قد اجتهدت أن أنال المنصب الذّي حزت ,فأصبحت بفضل اللّه كبير جند الرّشيد و بذلك أصبحت منه جدّ قريب و قد أعلم كثيرا ممّا على النّاس يغيب..و قد كنت بذلك جدّ سعيد أن ألقاه من جديد..كان حلما و صدق حلمي بالتّأكيد..تلك اليد و ذلك الخاتم..بيده عليّ سلّم...و كنت حريصا على مرافقته أكثر ما أمكن و قد كان الخليفة أحرص النّاس على العلم و كان قد طلب من" الإمام مالك" أن يدرّسه العلم، فما كان من الإمام إلاّ أن أجاب :العلم يؤتى إليه و لا يأتي العلم لأحد ! فأطاع الرّشيد و ما كان منه إلاّ أن قصد مجلس الامام..ووضع له كرسيّ ليكون من الامام أقرب..و لماّ بدأ الامام الدّرس قال موضوعنا اليوم هوّ التّواضع فألقى الرّشيد الكرسيّ و جلس على الأرض...مجدّدا تلك اليد و ذلك الخاتم و ذلك التّواضع....

لست هنا لأحدّثكم عن منجزات "الرّشيد" و هي  لا تخفى عن كلّ رشيد...فمن منكم  لم يسمع بكتاب" الخراج" ؟ و لكن هل تعلمون أنّ القاضي  أبو يوسف كتبه بطلب من الرّشيد؟ و بفضل ذلك الكتاب المحكم وضع نظام شامل للخراج يتّفق مع مبادىء الشّرع الحنيف حيث بلغ الخراج وقتها نحو 400مليون درهم و قد كانت هاته الأموال تحصّل بطريقة شرعيّة لا ظلم فيها ..فعمّ العدل في البلاد و انصلحت أحوال العباد و كان العصر،عصر بغداد ...التّي إتّسع عمرانها و ازداد عدد سكّانها ...و أصبحت وجهة لكلّ زوّارها...أجل بتلك اليد و ذلك الخاتم...

يوم الاربعاء 800هجري , في ذلك اليوم افتتحت  "بيت الحكمة"  و بها بلغت الدّولة العبّاسيّة إزدهارها..و شاعت أنوارها..و لم تكن مكتبة عاديّة قطّ بل كانت تجذب النّاس قاطبة..كانت منظّمة بطريقة ملحوظة, إذ كانت لها غرف منفصلة منها ما هوّ للنّسخ و منها للمجلّدات كما احتوت على غرفة للرّصد الفلكي..أروقة طويلة واسعة تربط بين غرف عديدة..امّا الترجمة فقد حظيت فيها بمكانة فريدة و فيها تمّت ترجمة كتاب "إقليدس"  العظيم :"الأركان في الهندسة و العدد " لأوّل مرّة للّغة العربيّة... و كانعكاس لأثر بيت الحكمة التّي جمع فيها الرّشيد معظم الكتب والمخطوطات والأشياء المختلفة الخاصة بالمكتبة من والده وجده..وقع بعدها بسنوات أي حوالي سنة 191 إنشاء أوّل مصنع للورق في بغداد التّي غدت قبلة لطلاب العلم و فيها كبار الفقهاء  و المحدّثين و القرّاء و اللّغوين.. مجدّدا بتلك اليد و ذلك الخاتم...

و طبعا لن أختم قبل الحديث عن نكبة البرامكة التّي سأختزلها في كلمتين إثنين إحذر صديقك قبل عدوّك..و الخائن النّاكر للمعروف غدرته أوانها ليس معروف...و هكذا الرّشيد فقد تربّى مع البرامكة و أرضعته أمّهم ...مازلت أذكر الحدث كأنّه اليوم, يوم جرّد الرّشيد البرامكة من أموالهم و كلّ ما لهم...نازعوه ملكه و تقرّبوا منه و أخضعوا النّاس لسلطتهم بإسمه..لم يكن الرشيد غافلا عنهم و لكن غضّ عنهم الطّرف علّهم  يعودوا إلى رشدهم...و لكنّهم تداخلوا في شؤونه الخاصّة و إحتجزوا الجزية و حاولوا غرس الفتنة بين ولديه  فكانت تلك القطرة التّي أفاضت الكأس فطردهم شرّ طردة بلا رجعة....

و أخيرا هنالك حادثة أثّرت فيّ أكثر من غيرها و ستؤثّر في كلّ من يسمعها..فقد كان مع الجنود النظاميين طائفة أخرى من الجند المتطوعة من البدو، وطبقة الزراع وسكان المدن الذين اشتركوا في الحروب مدفوعين بعوامل دينية أو مادية . و ما لا يعرفه الكثير أنّ هنالك عشرون ألف مقاتل في الجيش يرفضون أن تكتب أسمائهم في الدّواوين و أن يحصلوا على مرتّبات و عطايا جود...و عندما علم بهم الرّشيد قام بنفسه بالقيام على ذويهم  بتلك اليد و ذلك الخاتم....و قد كان متنكّرا...حتّى أنّه زارهم ذات مرّة في ركبه ..فسألهم عن حاجاتهم...فقالوا أنّ هنالك رجل يقوم بهم سموّه "خادم المجاهدين"...فنظر إليّ الرّشيد و ابتسم  و قال "هذا أشرف لقب قيل لي في حياتي و أرجو أن ألقى اللّه تعالى به يوم القيامة و به أنادى"...أجل تلك الابتسامة و ذلك التواضع بتلك اليد و ذلك الخاتم ....