من منكم قد يغيب عن ذهنه ولا يطوف بخاطره إسم "عمر بن عبد العزيز " إذا سمع عن سيرة العظماء...و من منكم لم يرفع رأسه بزهو و شموخ إذا ما جاءت سيرته..حدّث وبحث , زاد و عدّد مناقب و مكارم تلك الشخصيّة الفذّة الفريدة من نوعها و إفتخر أنّ هذه العظمة ماهيّ إلاّ جزء بسيط من أمجاد أجداده..نعلم أخباره و نرى أثاره و نحفظ  أقواله...و لعلّ أشهرها  "انثروا القمحَ على رؤوس الجبال..حتّى لا يقال جاعَ طيرٌ في بلاد المسلمين !"

ولكن كم منّا يعلم ما  صار وراء الكواليس و ما دار في دهاليز القصر ؟..كم منّا يعلم الأيد الخفيّة التّي ساهمت في رسم المعجزات؟..

هيّا يا رفاق  لنذهب سويّا في رحلة عبر الزّمن..لنكتتشف خفيّة من خفايا الأمم وسرّا من أسرار الهمم....

وجهتنا قصر الخلافة بدمشق في عهد الخلافة الأمويّة و بغيتنا غرفة الخليفة...الباب مفتوح بعض الشيئ..و هناك بعض الأصوات  تأتي من الدّاخل...هياّ لننظر و نسمع ما الذّي يدور ...

هاهوّ أمير المؤمنين  سليمان بن عبد الملك مسجّى على فراشه يصارع المرض و يقف بجواره وزيره الأوّل  ..و قد قدّم له خطابا  و طلب منه أن يقرأه..و قرأ الوزير الخطاب ثمّ رمق الخليفة بنظرة حيرة..إنها وصيّة الخليفة بإستخلاف أحد أبنائه من بعده .

كان الخليفة يثق في وزيره و يعوّل على حكمته فطلب رأيه ..و لم يبخل الوزير الخبير برأي يرى فيه مصلحة الأمراء و الأمّة ..و أشار على الخليفة أن يقوم بإختيار عمر بن عبد العزيز  إبن أخيه كوليّ للعهد من بعده  و لكنّه تردّد خيفة ما قد يحصل من المشاكل و ما قد ينشب من الخلافات...فكان الحلّ يكمن في مشورة الوزير الحكيم , حيث جاءت المشورة بكتب الوصيّة في كتاب مختوم مقفل  .

و هكذا تمّ الأمر فكتب الملك وصيّته : "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبدالعزيز، إني قد وليته الخلافة من بعدي ومن بعده يزيد بن عبدالملك، فاسمعوا له وأطيعوا، واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم عدوكم". و أخذ الوزير الكتاب و جمع آل بيت الخليفة كلّهم و طلب منهم المبايعة على كتاب أمير المؤمنين  دون فتحه...فقال جميعهم سمعا و طاعة و تمّت البيعة بنجاح ...ثمّ سمح لهم الوزير بالدّخول على الخليفة  "فقال لهم: هذا الكتاب عهدي إليكم، فاسمعوا له وأطيعوا وبايعوا من وليت فيه، فبايعوا لذلك رجلاً رجلاً."

و مات الخليفة و أهدى لنا الوزير هذا الفخر و العظمة...و كان سببا وراء توليّ عمر بن عبد العزيز خاصّة و أنّ هذا الأخير رفض الخلافة...كما قال الوزير : "فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبد العزيز، فقال: أنشدك الله وحرمتي ومودتي إلا أعلمتني إن كان كتب لي ذلك، حتى أستعفيه الآن قبل أن يأتي حال لا أقدر فيها على ما أقدر عليه الساعة، فقلت: والله لا أخبرك حرفًا واحدًا."

فمن هوّ هذا الوزير الحكيم ؟ من هوّ جنديّ الخفاء هذا الذّي أثّر في سير القدر ؟

تعالوا يا رفاق لنكشف السّتار عن بطلنا الخفيّ ونستشفّ ممّا مضى أبرز الحكم و نستقي العبر من تاريخ  خير البشر ....

إنّه رجاء بن حيوة الكندي :

لننظر في لمحة إلى حياته مراحلها و أهمّ محطّاتها  :

ولد رجاء  بمدينة بيسان من فلسطين في أخر عام من خلافة عمر بن الخطّاب و قد كان أبوه حيوة شهد فتح القدس و أسلم حينذلك..و أخذ رجاء منذ نعومة أظافره علما غزيرا فحفظ القرآن الكريم و تعلّم الحديث على يد الصّاحبي الجليل معاذ بن جبل ..و تعلّم فنّ العمارة و أبدع فيه ..و هكذا كوّن بطلنا ثقافة و علما و خبرة جعلته فقيها عالما و معماريّا ممتاز , فلم يكد يجاز الثلاثين من عمره حتّى ذاع صيته في كامل أنحاء البلاد و أتاه النّاس من كلّ الأحداب ...

و كان خليفة المسلمين أنذلك عبد الملك بن مروان الذّي عرف عنه ما عرف من شدّته و توليته للحجّاج بن يوسف المعروف  بإسرافه للدّماء..إلاّ أنّ هذا الخليفة عرض على رجاء الوزارة..و قبل رجاء...و لو لم يقبل رجاء و تأثر بكلام النّاس الذين عابوا عليه مجاورة السّلطان و إتّهموه بفساد دينه..لو عبأ  بهم رجاء ..لكان فقيها معروفا اليوم و ذاع صيته و لم تخفى شهرته..إلاّ أنّ بطلنا فضّل الشهرة عند أهل السّماء ..و قبل رجاء..

قبل رجاء الوزارة و بقي فيها عشرون سنة ..مثّل فيها تمثالا للبطانة الصّالحة لأي حكم ..بالرأي السّديد و الفكر الرّشيد رافق أربعة من الأمراء و أرشدهم لما فيه الصلاح...

أمّا في عهد عبد الملك بن مروان فقد كانت  قبّة الصخّرة الذّهبية في جامع الأقصى من فكرته و تصميمه ....

 أمّا في عهد الوليد بن عبد الملك فقد جائت مشورته بالتوسيع في المسجد النبوي ....

 أمّا في عهد سليمان بن عبد الملك فكما ذكرنا أنّه كان له الفضل في تولّي عمر بن عبد العزيز الخلافة ...

هذا هوّ بطلنا..نجم وراء السّتار ..بحكمته أثّر في الأقدار...و لم يطلب له من الدّنيا أية مقام ..و لعلّ أكثر ما شدّني لسيرته هوّ إخلاصه مع ربّه  و عدم تأثّره بالمنصب الذّي وليّه...

قيل عنه :

قال مطر الوراق : مارأيت شامياً أفضل من رجاء بن حيوة، وكان ابن عون إذا ذكر من يعجبه ذكر رجاء بن حيوة

قال ضمرة عن رجاء بن أبي سلمة :" ما من رجل من أهل الشام أحب إلي أن أقتدي به من رجاء بن حيوة"

و من أقواله هوّ :

"ما أحسن الإسلام ويزينه الإيمان وما أحسن الإيمان ويزينه التقوى وما أحسن التقوى ويزينه العلم، وما أحسن العلم ويزينه الحلم وما أحسن الحلم ويزينه الرفق"