في بلدة ٍتحيطها الأشجار وتسودها الأنهار تعيش سيدة مسنة وقورة حياة شظفٍ وزهدٍ شديدين الوضوح فقد كانت تقتات تلك السيدة على ثمرة للغداء وأخرى للعشاء وإن أغدقت نفسها بالخيرات فقطعة رغيفٍ بيضاء..

ورغم كل ما أنجبته الطبيعة الغناء إلا أن تلك القرية لم تحتضن في جنباتها الأثرياء إلا ما كان من تجارها المعدودين في الأرجاء...

أما عن سيدتنا الوقورة فقد عرف كل أهل البلدة عن شظف عيشها وجَلَده وكذلك عن عدلها وحكمتها ورزانة عقلها فأصبح لا يخال لهم حياة دون تلك السيدة...

شاءت الأقدار وشاء مقدرها أن تتوفى سيدتنا العزيزة وأن ترد روحها إلى بارئها...

-آهٍ على ألم الفراق- كان ينوح أهل البلدة طيلة أسبوع بعد وفاتها، مرت أيام وأسابيع ثم ها هي أشهر حتى يأتي صاحب قطعة الأرض التي سكنتها العجوز فيعرضها على أهل بلدته قاصدا بيعها وما إن أعرب المسكين عن رغبته حتى ألقوه بوابل من الشتائم والاستهجان إلى أن صاح أحد التجار -أريد شرائها ، نعم سأشتريها وأحولها لبقعة ذات نفعٍ وزرع- لم يكن من أهل البلدة إلا الخضوع والقبول لهذا التاجر خشية أن يعارضوه فيقطع عنهم رزقه -وقد كان ذا مالٍ وجاه- واستسلموا لرغبة بائع الأرض وشاريها رغم استنكارهم الأمر كما سلف القول...

وما هي إلا أسابيع قضاها التاجر في عمارة تلك البقعة الضئيلة حتى بات حاكما لأهل بلدته وسيدًا عليهم ، نعم تعاظمت ثروة هذا الرجل في أيامٍ معدودات ، فأضحى التاجرُ حديثَ كل مجلسٍ ومِحورَ كُل موضوع، استمر أهل البلدة بالتساؤل عن كنه ثراءه المفاجئ حتى قُمعت أصواتهم وكلماتهم بقوله أنه ولبضعة أشهر مضت أرسل عددًا من رجاله و ركبانه خارج البلدة لتسوية أمور تجارته ، وما هذه الثروةُ إلا حصادٌ لغراس الأمس !

بعد بضعة أعوامٍ قَدِم ركبٌ إلى المِنطقةِ - وقد تبدل حال بلدتنا وباتت في أحسن حال فأصبحَ لا يُرى جوعٌ لفقير ولا يسمعُ أنينٌ لعليل- وكان يحملُ فيهِ بضعة شبانٍ كشرت فيهم ملامح العوزِ والحاجةِ أنيابها وقد كانوا شعثا غبرا تلوح فيهم آثار وحشة ووحدة وفاقه..

لم يتجه ذلك الركبُ لا إلى سوقٍ ولا إلا ملاهٍ ، بل شرع كبارُهُ في السؤالِ والبحث عن عائلة لبقةٍ عريقة ، حكمت الأرجاء في زمنٍ من الأزمان ، ولم يجدِ الركب ما ابتغى من أمره حتى عانقَ سؤالهم مسمع شيخٍ في أرذل عمرهِ ، فتبسمَ حتى امتلأت وجنتاه بالتجاعيد وعيناه بدمعٍ كاللآلئ، وكأنما هجرت السعادةُ شيخنا منذ زمنٍ بعيد ، ثم أشار لهم في دعةٍ أنِ اتبعوني، فتبعوه حتى جاء بهم لبستان صغير تلونت أرضه بشتى الألوان وتعددت فيه الورود والزهور ، ودار في البستان حديثٌ مفاده كالتالي:

هنا كانت تسكن آخر أفراد تلك العائلة قال الشيخ ، لم أعلم بعد ما الذي دفعكم للسؤال عنها ولكنني أظن أن السبب هو أولئك الشبان ، أليس كذلك؟

وأعرب الرجال أخيرا عن سبب قدومهم موافقين فيه قول الشيخ ...

كانت تلك الشمطاء تبتاع مني الخبز- بين الفينة والفينة- ثم أطلق قهقهةً لم يجد لها أحدٌ معنى في وسط الحديث على أنه أردف قائلًا ،أظن أنني كنت أجدرُ بثقتها من بقية الرجال في القرية ، إذ أنها استأمنت وضع مستقبل أحفادها في عقر داري وتحت وسادتي عندما ألمت بساعةِ رحيلها...إذًا فقد أتيتم لاستلام تلك الوصية ، وصيتها التي ذكرت بها أن ردوا الحق لأصحابه ,واستوصوا بِبنيَّ خيرًا فإنهم عائدون؟ التي ذكرت بها أن الرياح لم تشفِ غليل سفينة عائلتها ، وأنه لم يشرد أحفادها سوى سوء حظهم, وشدة عجزهم ؟

بالمناسبة لا أعتقد بأنني أتفق معها في جانب سوء الحظ, إذ أنكم أدركتموني قبل أن أفارق الحياة وأتبع تلك الشمطاء، فغنمتم بما ابتغيتم من أمركم ، قال العجوز..

وذهب مفارقا إياهم بعد أن سلم الشبان وصية جدتهم الغالية وكذلك الركب ، فقد تفرقوا وكلٌ ذهب في أمره ..

أما الشبان فقد أضحوا اليوم أسياد البلدة وأثرى سكانها، فذلك التاجر الذي ابتاع بيت العجوز قبل سنين لم يكن إلا سارقًا أفاكًا, ما إن انقض على قطعة الأرض تلك, ونبش في تربتها حتى وجد تحتها ثروة طائلة خلفتها تلك العائلة بعد هلاكها بإحدى الامراض الفتاكة ، إلا ما بقي من سيدتنا الوقورِ وعدد من النساء توفوا لاحقا, فكانت نصيبًا للفتية، ولم يكن يعلم التاجر حينها أن العجوز قد تركت وصيتها وضمنت مستقبل أحفادها وقد كانت تعلم أنها ما إن تركت ثروة العائلة تحت تربة الأرض فسيتولى أحد تجار القرية سرقتها ومن ثم استثمارها و تكبيرها إلى أن يشبَّ أحفادها ويعودوا إلى أراضيهم، وأما الوصية التي خلفتها فسيقع على عاتقها قلب الموازينِ وإحقاق الحق ليس إلا...