ما كاد المنبه أن يعلو صوته معلنًا عن الساعة المطلوب الاستيقاظ بها حتى أطفأته بأناملها الرقيقة فهي كعادتها لا تنام ليلة هذا اليوم أبدًا مهما حاولت ولكنها تضبط المنبه على أية حال ..فربما يعطف عليها النعاس ويزور عينيها النوم ليلة ما من هذا اليوم !
جهزت كل ما تحتاجه للذهاب إليه ...جهزته في سرعة جعلتها لا تتجاوز نصف الساعة ..أكان اشتياقها له سبب تلك الهمة والعجلة ..لا تعرف ..ولكنها حقًا تشتاق إليه !
يرى الجميع أنه قسى عليها كثيرًا بغيابه هذا ولكنها تعلم أنه ليس بقاسٍ أبدا وتعلم أن حنو قلبه لو قُسم على العالم أجمع لكفى وزاد...ليتهم يعلمون حتى تحبس ألسنتهم داخل أفواههم
ويتركونها في سلام!
إنهم لا يتألمون كما تتألم ولا يشعرون ما تشعر ولا تخالج نفسهم ما تخالج نفسها..
هي لم تمل أبدًا من انتظاره بين قلق ولهفة قلق عليه ولهفة لحضوره
يسافر كل مرة وسط كل تلك المخاطر ويتركها غارقة في قلقها عليه ولكنها حين تسمع دقته على الباب التي تميزها بين ألف دقة ودقة... يتبدد قلقها وتتذكى لهفتها ويفتح قلبها له الباب قبل أن تلامسه يدها ..تتلاقى أعينهما في اشتياق يضمها إليه حتى تكاد لا تفرق بين كليهما كيف كان يعيش دونها ..دون أن يحنو عليها يقبل رأسها يداعبها كطفلة في شوق وحب...!
نعم هي لا تنكرأنها تتعذب في غيابه ويتسلق الدمع مقلتيها في جنح الليل وسكونه تسلقًا وتتشوق نفسها إليه حد الإرهاق كاشتياق أشجار الصحاري بعد جفاف طويل لمطر مديد ولكنها ما زالت تتيقن أن لقاءهما سيبدد ما تشعر به من عذاب حتى يختفي وستُروى أشواقهما حتى تهدأ وتسكن لينبت حبهما العميق على تربتها الخصبة ..ولكن الدمع ورغم كل المحاولات لإيقافه يستمر في تسلقه حتى يندفع ساقطًا حين تراه في غزارة لم تعتدها في غيابه ..!
تستمر ضمتهما الأولى لدقائق طويلة حتى تهدأ فيها الأنفس ...وتذوق سكون محبب إليها ...وكعادتها تبتسم وتحاول في رقة وهدوء يجتاحان كيانه أن تخرج من ضمته كي يرتاح قليلا من عناء السفر ولكنه لم يسمح لها كما تريد أو كما تُظهر أنها تريد وكأنه يقول لها في صمت أن راحتي هنا لا في مكان آخر.
ما تلك السكينة التي كانت تجتاحها بين ذراعيه؟!
ما هذا السكون الذي كانت تفتقده...؟!
أخذت تنظر لعينيه في شوق وابتسامتها تلقائيا تتسع وتشرق ...طالبة منه تلك المرة بصوت مسموع أن يرتاح حتى تحضر له ما يشتهي من الطعام ...وما كاد لسانها أن ينهي ما تطلبه حتى تطرقت نفسها وقلبها قبل أذنها أن يسمعان رده المحبب إليها الذي يقوله دائمًا وهو يمسح على وجنتيها في رقة
لا أريد سواك الآن بجانبي........ آه لو تعلمين كم أفتقدك يا أجمل ما سقطت عليه عيني وسمعت صوته أذني واستنشقت رائحته أنفي وأروع ما عرفته نفسي ...؟!
رغم وقوع تلك الكلمات مرارًا على مسامعها إلا إنها تتطوق إليها في شوق يتجدد وحب لا ينتهي...؟!
فكانت تلك الكلمات بالنسبة لها كموج البحر ...متشابه ولكن وقعه على شاطئه متميز منفرد ..يتجدد في كل مرة وكل لحظة
الجو الحار المكفهر والطريق الطويل جعلاها تعاني معاناة السفر كما كان يعاني هو ذهابا إلى عمله وإيابًا إليها وكأن الدور قد حان عليها هي الاخرى !
وما إن وطأت قدمها عتبة المكان حتى هرول إليها العم يوسف .. رجل متوسط القامة مهذب الذقن اللون الأبيض هو اللون السائد في ما تبقى في رأسه من شعر وعلى الرغم من قسوة عمله وطبيعة الحياة التي يعيشها ولا يجد غيرها تحتويه
إلا أن ملامحه يخالطها هدوء وسكينة محببة إلى النفس ولا يخلو صوته من نبرات الحنو والطيبة
حيث تلقى منها ما جهزت صباح اليوم طالبة منه ووجهها لا يخلو من الابتسام أن يوزعها كعادة كل أسبوع فودعها ولسانه لا يسكن عن الدعاء لها بالأدعية التي خطرت على ذهنه من قبل والتي لم تخطر أيضا !! ثم شرع في تنفيذ ما قالته له
شعرت مي براحة وسكون بعد أن قابلت العم يوسف وسمعت دعاءه لها ثم توجهت بعد ذلك في شوق غامر إلى من أتت إليه وإلى من قطعت من أجله كل ذلك الطريق وعانت للوصول إليه كل هذا العناء ولكنه عناء جميل ..عناء محبب للروح والنفس والقلب على السواء عناء مكرر كل أسبوع دون كلل وملل ...نراه عناء ولكنه بالنسبة لها ليس سوى تخفيف عن نفس وروح عانتا حرمانًا قاسيًا
..........
وقفت عند الباب
استمرت وقفتها لدقائق وكأنها تستأذن الدخول
أخذت تبعد من حوله الزهور الزابلة لتستبدلها بزهور ناضرة من حقيبتها ثم افترشت الأرض وثبتت نظرها عليه في صمت يتناسب مع هدوء المكان ووقار سكونه..نظراتها إليه أبلغ من ألف كلمة وكلمة ..ولكنها لم تعد تحتمل أن تعبأ نظراتها بكلام أكثر فتسلق الدمع مقلتيها حتى انهمر ...حينها أَنَّ صمتها ووهن وبدأت في الحديث ...على الرغم من تيقنها بانعدام الرد
إن ابننا فارس يسأل عليك كثيرًا ..أخبره دائما بأنك في مكان أفضل من مكاننا هذا ...مكان ليس فيه غش أو خداع أونفاق ..أنا لا أنزعج من كلامه أبدا
واقتربت منه حتى كادت أن تلامسه واستطردت
إنه يشبهك كثيرًا
كلما نظرت إليه أتذكرك
صمتت لبرهة وقالت وقد طفق النحيب يظهر على نبراتها
ولكني لم أنساك حتى أتذكرك!
تخلل الصمت كلامها للمرة الثانية ولكنه طال تلك المرة حتى كسرت ما بناه من حاجز قائلة وهي تعالج ما بها
ولكني أنزعج من كلامهم ...هم لا يشعرون بي يتعجبون حين أتحدث عنك كأنك حاضر ؟!...نعم أنت حاضر..!!.... أنفاسك أشعر بها تتردد حولي دائمًا ...أتخيلك في كل وقت وكل حين ..أنت غائب بالنسبة لهم فقط !
يسألونني متى سأظل على هذا الحال .....ولكني لا أعلم... متى سينتهي بي العمر؟!