بمثل هذه المقادير البسيطة من الحب والاحتواء والاحترام والرحمة و الفكر التي يمكن التعبير عنها والتي تخرج كرها عن طوع كبر الجسد المغلوب عن أمره، يبنى الانسان بالانسان ويشيد صروحا أكبر بكثير من تلك التي تشيدها الحضارات المادية وتترك آثارا غائرة أعمق مما يحدثه عالم او عامل او فنان ، لن ينسى صاحبها أيضا وسيحيا ولو في طيف معدم ،سيبقى ذكرى لدى أحدهم لاتمحى ولاتنسى حتى لو أصبح شيخا تسعينيا مصابا بداء النسيان المزمن ستبقى أثار أقدامه لترشد أحدهم ولو كانت على كثبان رمليه بعرق خال لا يزوره سوى الرياح العاتية ستنمو فكرة ما لقنها لصبي لتكبر معه وفيه لتصبح قضية ويصبح هو انسانا ذا اثر وابن اثر ونتيجة أثر ،حتى تلك الكلمات التي نخطها ونمزقها كان بإمكانها ان تكوم كتابا بل نبراسا يضيء العقول من بعدنا ،ربما سيخط التاريخ يوما أسماءنا بماء الذهب أو بقطرات من الماء على سماء مشمسة تتبخر فور كتابتها بينما هي عند الله محفورة بخط ملائكي وأمر إلاهي لا يمحى ولا يبهت حبره فيبقى راسخا وجلبا إلى يوم نبعث ،أو سيخط على جدران الأحياء المنسية أن هناك من كان يحلم لكن أحلامه كانت كفقاعات الصابون تنمو بسرعة بعد ولادتها وتطير لكن لمسافات قصيرة ثم يصدمها الهواء فتنفجر وتضمحل كأنه لم ينفخ فيها سوى فضلات جسده الحالم وهي التي نفخ فيها من روحه لتنظف قذارة هذا العالم ، وربما نعتقد انه لن يخط شيئا والحق أننا لسنا بحاجة لأن يخط التاريخ شيئا لأننا نحن من سيخط التاريخ بأكمله بقلم حاد بالكاد يرى رأسه مصمم على قد ظنوننا و لا يعدو أن يكون كأثر الفراشة في نظرنا ضعيف لكنه بعد ذلك قد يحدث أمرا عظيما جدا لن نتوقعه ولن نستوعب أن أمرا جللا قد يحدث بمثل شيء بهذه البساطة وكثيرا ما كان يعتبره الاخرون مجرد هراء ،فهم يعظمون قوة المادة على أنها العصا السحرية التي تغير من واقعهم الرث وتبني حضارتهم ويستصغرون الكلمات جهلا بأن الحياة لا تقوم من غير روح والكلمات هي نفخها هي اليد التي تدفع تلك القوى للظهور من بين الركام وتحدد في أي اتجاه تسير وتستمر لتعمر ،وربما سنخط بخنجر مسنون قساوة الذل على حناجرنا التي رفضت نطق الحق لتنطق ألما ودما وصراخا لا يتعدى صداه آذان قلوبنا وعقولنا فنموت قهرا بما أخفيناه يوما