" أن تعتنق يعني أن تثق ! "


معلمتي .. لماذا قالت الملائكة لله أن البشر سيفسدوا في الارض ويسفكوا فيها الدماء بالرغم من أن ما نعلمه اننا كنا خلق جديد من نوعه وعلى هيئة لم تكن موجودة مُسبقًا ؟

أراها تنظر الى السماء .. تتنهد .. ثم تخفض رأسها الي ..

- نورهان .. الى متى ؟!

لا أحَب الى قلبي من اسئلتك ولكني اخاف عليك نهاية تلك الاسئلة .. يا ابنتي الدين ابواب وهناك ابواب لا يسعنا فتحها .. لماذا إذًا نطرقها ؟

- ليطمئن قلبي .. أليس النبي ابراهيم عليه السلام ايضًا قال ذلك ..

- الامر مختلف .. هناك اسئلة نصل من ورائها لمعنى .. اسئلة تساعدنا على الاستمرار والإحسان اكثر .. أما تلك الوجودية خاصتك فلن نجني منها سوى صدامات تخدش حتى ابسط التفاصيل التي كانت يومًا محل إيمان ..

اصمت وبداخلي صوت يرفض .. وقلب يرتجف .. وأذن تستمع واخرى تودع !

أكبر قليلًا وأتخطى مرحلة الابتدائي ولا اتخطى فكرة ان الدين سؤال .. وأن جل ما تركته لنا سيرة محمد صلى الله عليه وسلم من أحاديث كانت وليدة سؤال وأن وصولنا لنقطة وجود إله لهاذا الكون خرجت من منطلق سؤال .. سؤال سؤال سؤال !

" هل من سؤال ؟ "

انها العبارة المفضلة لدى معلمة المرحلة الثانوية

بعد انتهاء كل حصة .. تجر كرسيًا وتجلس عليه .. تشرب جرعة ماء دفعة واحدة وكأنها ستبدأ عراكًا ثم تنظر لعيني مباشرة وهي تنطقها .. فيبتهج قلبي وأخرج دفتري الصغير وابدأ معها حوارًا قد ينتهي بنتيجة وقد ننهيه بأن علينا البحث اكثر حول الامر ..

لقد كانت تلك المرحلة بصدق أحد اكثر مراحل حياتي روعة .. استطيع القول انني هنا تمامًا اعتنقت الاسلام !

صدقني .. إن قول " اشهد ان لا إله الا الله وان محمدًا رسول الله " وانت تشعر بصدق كل حرف فيها بعد قرار اعتناقك وليس إرثك لها لأمر ألذ وأطيب من كل ما قد تزكى ..

انه وقودك وسلواك عندما يدفعك الهوى لاتباع ما ليس لك .. لاتباع ما لم تخلق لاجله مهما رأيت له من أتباع ..

لماذا ؟

باختصار لأنك تعتنق منهاجًا معينًا بالمجمل .. لا مجال لتبديله .. لا مجال فيه لبعض التغيير !

هل بإمكاننا العودة قليلًا للوراء .. حيث معلمة الابتدائي ؟

نعم تمامًا هنا ..

اعترف الآن انها محقة تمامًا ..

اتخيل لو انني كنت في عهد بدء الدعوة واني لم اقبل بفكرة ان الدين ابواب .. هل كنت لاصبح من اتباع ذاك الدين ؟

ما معنى "فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى" ؟

ما الدليل على صدق ذلك وقتها ؟

ما معنى "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ" ؟

ما الدليل الذي لديهم وقتها ليتأكدوا انهن سبع ؟

ما معنى "وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ - النَّجْمُ الثَّاقِبُ " ؟

هل كان علم الفلك موجودًا ليثبت ذاك النجم ؟

بل تفكر في ابسط من ذلك .. 

لماذا علينا ان نشرب ونحن جالسون ؟ لماذا على ثلاث دفعات ؟ لماذا لا يفضل أن ننام عصرًا ؟ وهلم جرًا من تعاليم لم يكن هناك ما يثبت صدقها .. 

ولكنها من النبي محمد صلى الله عليه وسلم .. وبما أننا نؤمن بمحمد فنحن نؤمن بتلك التعاليم .. المعادلة بسيطة جدًا !

 

اننا نسميه اليوم إعجازًا ..لاننا استطعنا الوصول لما يثبت ذلك واصبحت الكلمات التي في كتابنا المقدس وفي ترانيم سيرة سيد الخلق مرتبطة لدينا بأرقام وأدلة علمية لا مجال للشك فيها .. ولكننا لم نكن لنصل لذلك لولا وجود اولئك الذين آمنوا بالدين مجملًا وتفهموا أن ليس كل شيء قابل حاليًا للتفسير او بالأصح أن عقولهم وما تحتويه من معلومات لن تكون قادرة على معالجة الامر ..

أتعلم .. انه يشبه شعورك عندما تنتقل من بلد فقيرة يسكنها الجهل لتسكن في احدى اكثر الدول تقدمًا .. سيكون هناك شعور دائم لديك بأن كل ما يتم سنه من أنظمة بالتأكيد ستصب في مصلحة الشعب حتى وان لم تفهم يومًا ما الغاية من سنها ..  

ما أود قوله لك .. أن الدين آيات ومعجزات ودلائل اوجدها الله لتتفكر بها .. ستؤمن تمامًا ببعضها وسيكون اعجازها سهل الفهم والتصديق لديك ولكن ستظل هناك اسئلة لا يجيب عنها العلم .. وليس بذاك خطًأ في ديانتك ولكنه حد العلم الذي لم نبلغ لاقصى منه .. انها حلقة صغيرة ستظل تدور بنا مع الوقت .. ما لم يفهموه مُسبقًا نفهمه نحن اليوم , وما لا نفهمه اليوم يفهمه من يسكنون الغد ويبقى ما عليك فعله " أن تعتنق ومن ثم تثق " .

لا أقصد بذلك ألا تسأل .. بل أرجوك أن تسأل .. ولكن لا يحملنك السؤال يومًا على أن تهلك .." فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم " .