ذاتَ يومٍ أخبَرتني امرأةٌ عجوزٌ أنَّ العُمر سيتوّقفُ بنا في لحظاتٍ مُحدَّدةٍ ، يَهدينا رسائِلُنا ويَمضي ونلتَقي حِينها بـ أقدارِنا صُدفة ! 

حينها تذّكرتُ تعابيرَ وجه صديقةٍ حين قالت : " تقدّمتُ لوظيفةٍ لطالما انتظرتُها وتهيَّأتُ لها ، لكن لم يُحالِفني القَبول حينها ، كُتِب لأرَقِ واستعدادِ ليالٍ طِوالٍ رَفضٌ وكُتِب لرَوحي قَبولٌ حين التقيتُ في اليومِ ذاته بـ مَن قاسَمني دربي بعدها : لقد كانت مُصادَفةً جميلةً أليست كذلك ؟ 

تخاطَر لبالي ضحكاتٌ لأُخرى حين أخذَت تسردُ كيف انتهى بها المطافُ للتلاقي بصديقتها المقرّبة ، كانتا كالضدّين لا يحقُّ لهما التوافُق وكالخطّين المتوازيين لا يُمكن لهما التلاقي أبداً .. كيف لمن جمعهما صِدامٌ طاحِنٌ هكذا تبادَلا فيه الهمزَ واللمزَ وسخطات الفعلِ و اللفظِ أن تصيرا رفيقتين لا يُمكنُ لبَشرٍ تفرقتهما ، كانت تضحك بهستيريّة مُكمِلة : كان عِراكُنا لتلاقينا " صُدفة " ! 

أمّا عمّن حُرِم من الإنجابِ أعواماً حتّى استسلم لحكمةِ اللَّهِ في تدبيرِه وقَدره ، أخذَ يسردُ أنَّه وفي طريقه لإعطاء أحدهم صَدَقة ؛ سمِعه وعلى غيرِ عادةٍ يدعو اللَّه أن يهبه ذريّةً طيّبةً تُعينُه وتكُن له خَلَفاً .. قال: فمضيتُ في طريقي مُبتسماً ويكأنّ اللّه بعث لي شُعاع نُور بعد عناءِ ظُلمتي ولم يمرُّ العام إلّا وقد أجابَ اللَّهُ دعوةَ العجوز و وهبني نَبتَتيْن لم أطمَع إلّا أن يُنبِتَهُما نباتاً حَسناً  ..

يا إلهي ، قصصٌ عابرةٌ كهذِه والكثير الكثير غيرها ويذوبُ قلبي لها ، فـ  ما بالُ يوسُف إذ شَروه بثمنٍ بَخسٍ دارهم معدودة وصارَ عزيزاً له خزائِن البلاد ومُفسّراً أحلام العِباد ! 

أكانَ البِئرُ وأكذوبةُ الذئب صُدفة ! 

ما بالُ : وكان أبوهُما صالحاً ، وأرادَ ربُّك أن يبلُغا أشُدّهما ؟   أكان كَنزَهُما صُدفة !

الجمرةُ التي اختارَها مُوسَى والغارُ الذي اختبأ فيه محمَّدٌ والصدِّيق ، أكانَتا صُدفة ! 

الطريقُ الذي مُهِّد لك مُنذ خُلِقْت ، أهلُك وجُدران منزلك مُذ أوّل وهلةٍ أدركتَ بها كلمة " مأوى " ، الخُطوة الأولى لك من كلّ شئ ، خُطوتك نحو الأشياء وخُطوة الأشياء إليك ، حتّى تأخرّها وطيلة انتظارك لها ، حتّى بحثَها عنك وأنتَ المُغيّبُ عنها ، في تلاقيكِ بالبَشرِ ، تآلف أرواحكم حينها أو افتراقها ، في الأُنسِ بوجودهم وفي الوُحشةِ ، في لحظاتِ المزاح وجلُّ الضائقات !

إماطةُ حجرٍ بالطريق ، الكلمة الطيّبة التي تفوّهتَ بها يوماً والسِتر الذي حفظته ولم تبادِر بكشفه أبداً ! 

كلُّ هذا لم يكُن مُصادَفةً يوْماً ، كلُّ هذا تدبيراً في الغيبِ وقَدَراً .. 

يا صاح ؛ إنّنا نتلّقى رسائِلنا يوماً بعد يوم ، تارةً نبتهجُ إثر فَهم مضمونها وترجمتها سَريعاً وتارةً نعجزُ عن ترجمةِ كودها السريّ وتارةً حين نُترجمه يصيبُها الكدرُ والإستياء ! 

أمّا عمّا أبهَجنا قراءته فـ هو نفحاتُ السرور في عُمرنا هذا وأمّا ما عجزنا عن ترجمته فـ هو بالأصل رحمةً بنا ولُطفاً وأمّا ما أساءَنا فَهمه فـ هو طاقة اختبارٍ وإن ظننا ما بظاهره كدراً ! 

يا صاح ؛ إنّنا نعيشُ الغيبَ ويتعايَشنُا ، حسبُنا فقط أنّه من اللّه حُلواً كان أو عَلقماً ، حسبُنا فقط أنّ الدُعاء بإمكانِه جَلبَ خيرَه وتهوين شرّه والوقايةَ من أثرِ فاجِعته ! 

يا صاح ؛ إنّا لـ تَدابيرِ اللَّهِ مُستَسلِمون ، راغِبون ، مُطمَئِنون ..

يا صاح ؛ إنّا لِـ تدابيرِ اللَّه وإنّا إليها راجِعون ..