استعراضا للكتاب المتميز "التنمية الاقتصادية في اليابان" لمؤلفه "كينئيتشي أونو" فأهميته تتلخص في طرح كيف مرت اليابان بخبرات اقتصادية كدولة نامية لم تكن طرقت بعد طريق التقدم، وربما اعتدنا أن تطرح تجارب اقتصادية تركية أو برازيلية في السنوات السابقة لكن تجربة اليابان تتطرق أكثر لدولة تقدمت رغم ما مرت به من اقتصاديات حرب وقروض وتأهيل شامل نحو التنمية، فاليابان انتقلت في طفرة كبرى من دولة نامية لدولة متقدمة بسلوكها مسار لم يكن الأفضل ورغم ذلك تمكنت اليابان من تحقيق النقلة الهائلة من النمو إلى التقدم.

وقد وضع المؤلف الكتاب بناء على تجميع سلسلة من المحاضرات التي قام بتدريسها لطلاب غير يابانيين في المعهد العالي القومي للسياسات بطوكيو National Graduate Institute for Policy Studies (GRIPS) وذلك في مجال دراسة التنمية الاقتصادية والدروس المستفادة من تجربة اليابان.

ويقول الكاتب: " وافقت على تدريس هذه الدورة ليس باعتبارها ذكريات الماضي بل باعتبارها رسالة معاصرة لنخبة الأجانب الذين يكافحون في هذا الوقت بالذات من أجل تنمية أوطانهم الأم".

ويطرح الكتاب تاريخ مفصل عن كيفية مواجهة اليابان لأزمات التنمية الاقتصادية وقيامها بالتكيف التحويلي في الاقتصاد وهو ما بدأته اليابان منذ عهد ميجي، وقبل هذا والأهم كيف قامت اليابان بتغيير البناء القيمي والحضاري للفرد الياباني وللشعب الياباني بأكمله والذي حمل اسم التطور الحضاري وتم تجميع تفاصيله في "مقالات الحضارة" ل"سوسيكي" والتي يشرح بها كيف حدث هذا الانتقال الحضاري، وحذر وقتها "سوسيكي" في محاضرته الشهيرة " التنمية في اليابان المعاصرة" من أن التحديث في اليابان لازال ظاهري فقط.

كما استعان الكتاب بتقارير ل"مؤسسة اليابان للتبادل الثقافي" والتي تشرح كيف قامت اليابان بإعادة هيكلة للحضارة والبناء الفردي للمواطن وتحويله من الاستهلاك للإنتاج في وقت كانت فيه تلميذ يدرس التجربة الاقتصادية الأوروبية وكذلك المعرفة والتكنولوجيا.

ثم يذكر الكتاب جريدة بحثية معاصرة تسمى "ميروكوزاشي" والتي أسهمت بشكل كبير في تحفيز النقاش الاقتصادي بين المثقفين وأدت لإحداث نتائج اقتصادية إيجابية لوجود أفراد قليلين تركوا أثرًا من خلال نقاشاتهم ودورهم في تنمية الاقتصاد الياباني ووضع السياسات البديلة.

ثم استعرض الكتاب تفاصيل التنمية الصناعية من إحلال الواردات في فترة الفساد الاقتصادي التي مرت بها اليابان بالإضافة إلى صناعات أخرى مثل النسيج والآلات والحرف اليدوية، والتي قام بإحداث طفرة بها أفراد مؤثرين ومخاطرين تمكنوا من التأثير في الاقتصاد تأثيرًا قويًا، وتحقق التصنيع في عهد ميجي من خلال مزج التكنولوجيا التقليدية القائمة بالتكنولوجيا المستوردة وهو ما يطلق عليه التكنولوجيا المهجنة.

وفي عام 1639 مرت اليابان بفترة من العزلة ومنع السفر فكانت الوسيلة الوحيدة لاستيعاب المعارف الغربية هي الكتب والمنتجات الألمانية في وقت كانت فيه دولة زراعية متخلفة ولكنها كانت القوة النفسية المحركة لها للتصنيع في عهد "ميجي".

وبعد الهزيمة مباشرة عام 1946 قام اثنان من الموظفين الشباب "سابورو أوكيتا" و"يونوسكيه جوتو" بتنظيم مجموعة بحثية لمناقشة طرق إعادة بناء الاقتصاد الياباني بعد الدمار التي أحدثته الحرب، وأصدرا تقرير بعنوان "المشاكل الأساسية في إعادة بناء اقتصاد اليابان Postwar Reconstruction of the Japanese Economy, University of Tokyo Press, 1992." حيث كان مثالًا ممتازًا على الفكر التنموي في اليابان وشمل التقرير وجود حاجة حقيقية لتصميم وتنفيذ خطة شاملة لإعادة البناء بالإضافة إلى تحليل كل قطاع صناعي واقتراح برامج ترويجية بشكل دقيق وواقعي، وقد ألهم هذا التقرير العديد من الناس بشكل غير مباشر رغم عدم اتباع توصياته من الحكومة اليابانية.

ثم تم إصدار جريدة "ميروكو زاشي" وتعد أول جريدة بحثية معاصرة في اليابان والتي كانت عبارة عن منتدى حر للحوار لنشر عدد من المقالات القصيرة نسبيًا، والتي تغطي مساحة واسعة من القضايا المتنوعة بدءا من دروس التاريخ الأوروبي ومقترحات تطوير اللغة اليابانية إلى جانب القضايا الدينية والسياسية الاجتماعية والاقتصادية، واجتمع مصدري المجلة كأصدقاء من أجل مناقشة مسائل اجتماعية وقضايا تهدف لتعميق المعرفة ومع تراكم محاضر الاجتماع بدؤوا في نشرها بهدف مشاركتها على مستوى واسع لتحسين المعرفة بين المواطنين اليابانيين.

وبعد حين أصبحت العديد من المشاريع الخاسرة مربحة من خلال إعادة الهيكلة والاستثمارات الجديدة وطالبت الكثير من المجموعات بدستور جديد وانتشرت حركات الحرية وحقوق المواطنين في جميع أنحاء البلاد، كما انتشر اعتقاد بأن الشعب الياباني شبه متقدم وبالحاجة للإعداد الجيد لهم قبل وضع الدستور كما بدأت مراجعة الاتفاقيات الغير عادلة مع الغرب وكانت اليابان لا تزال دولة شبه متطورة وقتها.

واعتمدت اليابان على أفراد مؤثرين ومخاطرين لتحقيق الثورة الصناعية عندما كتب رجل يسمى "إيئيتشي شيبوساوا" رسالة ل"يامانوبيه" وهو يدرس خارج البلاد يقول فيها أن اليابان في حاجة لتطوير صناعة القطن فهل يمكنه دراسة هذا المجال؟، وسيقوم هو بإنشاء شركة خصيصا لهذا الأمر. ربما تضايق "يامانوبيه" من رجل لا يعرفه يطالبه بتغيير تخصصه لكن بعد تفكير قرر اتباع نصيحته ودراسة انتاج المنسوجات ونشر إعلانات في "مانشستر" تقول: وظفوني كمتدرب في صناعة القطن وسوف أقوم بالدفع، ولولا هذه الرسالة لم تكن صناعة النسيج تأسست في اليابان فالسؤال هنا هو: كيف يمكننا أن نوجد هؤلاء الأشخاص العظام باستمرار في المجتمع؟.

ويسرد الكتاب كيف مرت اليابان في نفس الوقت باقتصاد الحرب بسبب خوضها عدة حروب ثم مرت بالفقاعة الاقتصادية والتي تلتها انتعاشة كبيرة، ثم تفاصيل عن المشكلات التي واجهتها اليابان أثناء إعادة بناء الاقتصاد الياباني، وأثناء ذلك قامت اليابان بتحليل لكل قطاع صناعي واقتراح برامج ترويجية لكل قطاع صناعي بشكل واقعي وتوصيات في كل جانب وكانت من خصائص التصنيع في عهد "ميجي" المبادرة القوية من القطاع الخاص ونجاح الإحلال محل الواردات في صناعة القطن، بالإضفة إلى التنمية المتوازية للقطاعين الحديث والتقليدي، كما تم إنشاء نظام مصرفي حديث وبنوك قومية وخلق علاقات ترابط صناعية متنوعة.

وكانت هناك العديد من العوامل المساعدة للتصنيع والتي كانت موروثة منذ عهد "إيدو" السابق وتشمل الأسواق الموحدة ووسائل المواصلات وشبكات التوزيع والتقاليد التجارية الراسخة والخدمات المالية المتطورة إلى جانب إنشاء قاعدة شعبية متعلمة وتاريخًا ممتدًا لتشجيع التصنيع.

ومن خلال جميع تلك المحاولات البحثية وتنفيذها تمكنت اليابان من التغلب على ما مرت به من دمار اقتصادي وتحولت لليابان التي نراها اليوم.