في كتابه "الفتنة: جدلية الدين و السياسة في الإسلام المبكر"   يحاول الكاتب التونسي هشام جعيط أن يحيط بتاريخ الأحداث التي أدت لمقتل عثمان رضي الله و انتهت بتنصيب معاوية رضي الله عنه خليفة للمسلمين.


اعتمد الكاتب 108 مصدر لمؤلفه هذا منها 50 مصدرا أجنبيا.


يظهر منذ الصفحات الأولى ميل الكاتب إلى اعتماد الروايات المشهورة (رغم حكم أهل الاختصاص بكذبها) عن هذه الحقبة.. كالأخطاء المزعومة لعثمان (توليته لأقاربه، عقابه لعمار بن ياسر و ابن مسعود، نفيه لأبي ذر).. و ما حدث أثناء حادثة التحكيم و بعده... معتمدا بشكل أساسي و معليا من روايات أبي مخنف لوط إضافة لاستشهاده بالمسعودي و اليعقوبي (و كل هؤلاء مكانتهم معروفة عند أهل التاريخ)... 


الكاتب يحاول إلقاء الضوء على هذه الحقبة بطريقة تاريخانية مادية جدلية... ضاربا الروايات ببعضها.. مائلا لتلك التي ترضي النتائج التي يحاول زرعها في عقل القارئ غير المطلع تدريجيا دافعا إياه بدهاء لتبني أطروحته.  

و يلاحظ إغفاله لدور عبد الله بن سبأ و أتباعه في هذه الأحداث... و لم يأت على ذكره إلا مرة واحدة جزم فيها أنه شخصية خيالية من صنع الإخباريين.


فحسب رؤيته التي تتضح عبر جرعات تدريجية، الفتنة مردها لأخطاء عثمان التي حاول تضخيمها... هاته الأخطاء التي لم تقبلها فئة من الأمة سماها ب "القراء" (أي قارئي القرآن).. هاته الفئة الراديكالية التي تعتمد تفسيرا حرفيا للنص القرآني (لاحظ الربط بين القرآن و الراديكالية).. فقامت عليه في ثورة شرعية تصحيحية (حزب زعمه)... أدت لمقتل عثمان رضي الله عنه.. الذي لم يكن بالنهاية مظلوما.. بل مستحقا لما حدث له.


تتطور الأحداث باستخلاف علي (الذي لم يكن راضيا عن عثمان هو و جمع من الصحابة.. حسب زعمه دائما)..هذا الاستخلاف الذي لم يكن محل إجماع من كبار الصحابة (طلحة و الزبير نموذجا و الذين تم أخذ بيعتهما بالاكراه... حسب الكاتب دائما).. مما جعله في صراع دائم لإثبات شرعيته... في الجمل أولا... و صفين ثانيا... و النهروان ثالثا ضد جماعة الخوارج المنبثقة عن "القراء" و الرافضة للتحكيم، جاعلا من علي مجرد أداة بيد أتباعه لا يملك من أمره شيئا، خلا الرضوخ لرغبات من حوله.


انتهى الصراع بتتويج معاوية خليفة للمسلمين بعد تنازل الحسن، و بعد مناورات و مؤامرات ماكرة سعى بها عن سبق إصرار لنيل المنصب الأول في دولة الاسلام الوليدة.. الخلافة.. متخذا من مقتل عثمان رضي الله عنه مجرد واجهة لإخفاء مطامعه.


الكتاب في مجمله تجميع لروايات مكذوبة في أغلبها... للوصول إلى نتائج مفادها نزع القداسة عن الرعيل الأول الذي رباه رسول الله صلى الله عليه و سلم.. جاعلا منهم بشرا ذوي مطامع دنيوية يسعون إليها بأخبث الطرق و أمكرها.. لكنه يبقى مثالا جيدا لما لا يجب أن تكون عليه الحقيقة.


و الله المستعان.