صباحٌ آخر، ومع شروق الشمس وهذه السماء الزرقاء الصافية التي لم تتبع يوماً شتوياً عاصفاً، فإنّ ملامح الشتاء قد اختزلت في برودة يدي اليمنى، حتّى أنّ يدي اليسرى لا تدرك أنّنا في شهر كانون الثاني، لا أعلم لماذا لم تتشاركا الإدراك على الأقل، لا أذكر أنني أخبرت يديَ اليمنى دون اليسرى أن الشتاء حل، وكعادة أيامنا في عصر التكنولوجيا التي صارت جزءاً لا يتجزّأ من حياتنا اليوميّة والتي باتت حاجباً بيننا وبين تأمّل تغير ملامح الحياة بموجوداتها فصارت تتشابه أيامنا إلى ذاك الحد الذي تعجز فيه حتّى عن إدراك حقيقة أنّ الشجرة التي ظللت باب بيتك قد هرمت وشاخت وأسقطت أوراقها دون أن تشعر وما أبقت لك إلّا أغصاناً عارية توقظك من غفلتك في هذا العالم الذي صار وقوفك فيه متأملاً جريمة ً نكراء، وأشعر بالأسف لذلك، أول ما نبحث عنه في صباحنا هو هاتفنا المحمول، شيءٌ خارج إطار الإدراك صار يجذبنا لتلك الأجهزة الذكية، ربما أن شعوراً زائفاً بالأمل يولد مع كل صباح، أنّ هناك أحداثاً جديدةً ستُحدثُ فارقاً في أيّامنا القادمة، لا أملك تفسيراً آخر لتلك الرغبة المُلحّة التي تدفعني لتفقد هاتفي كل صباح.

الحقيقة أننّي شخصٌ رغم انجذابه لمواقع التوصل الاجتماعي وصفحات الإنترنت العلمية منها والإخبارية والترفيهية أيضاً، فإنني لا أتوقف عن الهروب منها، لا يكاد يفارقني شعور أنني بحاجة للهرب والابتعاد، لا أعلم إن كان السبب خوفي من أن تسيطر عليّ تلك المواقع فأكون رهن أسرها، إذ أنّ شعور الضجر والضيق اللحظي الذي ينتابني كلما انقطع الاتصال بالشبكة العنكبوتية ينبهني بخطورة المرحلة التي وصلت إليها من التعلق بهذه الأجهزة الذكية، شعورٌ يمتد ليكون حالةً من الشلل وتوقف الحياة، لهذا الحد وأكثر استحوذت علينا تلك الصفحات والمواقع.

مؤخراً اخترت أن أتوقف عن النشر في أيٍّ من تلك المواقع وقمت بحذف جميع حساباتي، وانعزلت لأقضي وقتي معي أنا فقط، فلا يكون لأحد سواي أي سلطان على وقتي ، دون الحاجة لمجاملة فلان أو إجراء محادثة روتينية شاحبة مع آخر وجد نفسه متفرغاً فأتى ليسألك "كيف حالك" بنبرة قلق واهتمام عبّر عنها الوجه الأصفر الصغير"الرموز التعبيرية"، وهو ممدّدٌ على سريره وقد ملّ قنوات الأخبار والأفلام بعد جولةٍ استمرت ساعات وهو يتقلب بين تلك القنوات والمواقع، وأنت في معمعتك مع الحياة عليك أن تأتمر لطلبه بقضاء بعض الوقت معك بلا طائل، هكذا نحن في عصر التكنولوجيا الموحش، هذا العصر الذي إمّا أن يرتقي بك إلى عنان السماء بما أتاح لك من سرعة ودقّة الوصول للمعلومات، أو أن يهوي بك إلى أسفل سافلين، إذا انشغلت بالناس وحديثهم الفارغ مُجمله على مواقع التواصل الاجتماعي.

اعتدت أن أتصفّح حساب والدي الشخصي كلّ فترة، لأطّلع على آخر أخبار العائلة، ولا أخفي أنّني أشعر بالغرابة عن أقاربي  وهذا مرعبٌ حقّاً، كيف صرنا إلى هذا الحال، لا نعرف أخبار بعضنا إلّا من "الفيس بوك "ومن ليس لديه حساب "فيس بوك" فعّال يقوم بتجديد آخر أخباره وشعوره المتقلّب بين الفينة والأخرى، فإنّه يُنسى مع الزمان، صرنا صفحاتٍ "فيسبوكّية" تمشي على الأرض، أما أنا وقد اخترت أن أتوقف عن نشر ذاتي هناك، فإنني صرت شخصاً مجهولاً يعيش في قمقمه، لا يُسمع منه ولا عنه، شخصٌ ميت في العالم الافتراضي، فالكل صار يرقب حياتك من خلال صفحتك الشخصية، وبدونها تبدو كأنّك شخص منعزل في كهف بعيد عن البشر، أقرب للموت منه إلى الحياة ، ففي عالمنا اليوم  "الماسنجر" هو من يوصلك بعالم الأحياء، وهناك سوف تصلك الرسائل وستخوض حديثاً يمتد لساعات، كان من المفترض أن يكون حديثاً  حقيقيّاً يخاض بين لحم ودم، تجتمع فيه نبرات الأصوات وتتآلف الملامح وتلتقي القلوب لتشكّل صورة نموذجيّة دافئة قلّما نراها اليوم.

إنّ مواقع التواصل الاجتماعي قد برعت في تقريب البعيد، لكنّها وللأسف أبعدت القريب، صرنا إلكترونات هناك، شحب منطِقنا وقلّ اتصالنا بأهلنا وأصحابنا، ذبلت عيوننا إذ صارت ترى الحبيب من وراء حجابٍ ذكي موصول بتيارٍ كهربائي، فإذا انقطع التيّار صرنا أشباحاً تحوم في فضاء النّسيان، فبدل أن نقضي ساعةً إلى جوار بعضنا، حيث تتلاقى النظرات، وتتآلف الأرواح، فنتصل فكرياً وجسدياً من مسافة صفر، صرنا شحنات إلكترونية باهتة ذليلة في عالم افتراضي قاهر، قضى على نبرات الأصوات ولمعة العيون ودمعها ربّما، وكبّل اليد فما عاد يتراءى لنا ارتجافها جزعاً من الوحدة، أمست أيادينا وحيدة  قارّة تشكو قلة الحيلة والبرد والوحشة، وما أَلفت إلا النّقر على أزرار أجهزة الحاسوب والهواتف المحمولة، علّها تخفف من جمود الحياة فيها.

هل حقاً وصلنا إلى مرحلةٍ لا رجعة فيها إلى ما مضى، هل حقّاً ستكون خسائرنا تفوق ما ننجزه بفضل الذكاء الاصطناعي في عالم التكنولوجيا والسرعة، إذ لا أنكر أنّ فيها من النّعم الشيء الكثير، لكنّ أمر تحوّلنا إلى شحنات كهربائية لهو خطبٌ جلل، ربّما جار الزمان على الأقارب والأصدقاء، فصار زماننا زمان الكثرة الغريبة بصخبهم الافتراضي البارد، فربّما تألف شخصاً اعتدت متابعة أخباره دون أن يسمع هو عنك حتّى، وربّما سمع وربّما جرت بينكما محادثاتٍ طويلة فتعارفتما وتآلفتما لكن إلكترونياً فقط، أي أنّ شحناتكما الكهربائية قد انسجمت، فإذا التقيتما واقعاً نظر كلّ واحد منكما إلى الآخر نظرة الغريب الذي سيحتاج وقتاً ليصير مألوفاً جسداً وصوتاً وروحاً، وربّما سيبقى حبيس غرفِ المراسلة الإلكترونية الموحشة.