قبل البدأ في استعراض تاريخ بلاد المغرب علينا أولاً أن نشير أن المقصود هنا بكلمة "المغرب" ليس فقط ما يعرف حاليا بالمملكة المغربية، بل تعداه ذلك إلى جميع –باستثناء مصر- الأقاليم الجغرافية للشمال الأفريقي والتي تعرف أيضًا بالبلاد المغاربية أو المغرب العربي والمغرب الكبير، كما تُعرف تاريخيًا وحضاريًا بالمغرب الإسلامي، الذي تشكلت صورته منذ قدوم الفاتحين المسلمين إليه من المشرق، ليتعرض لتحولات بعد أن وطأت أقدام المستعمرين الأوروبيين أراضيه.

فقد بدأ الفتح الإسلامي لبلاد المغرب منذ عهد عثمان بن عفان وتوسع كثيرا في العصر الأموي، وكان من أشهر الفاتحين عبد الله بن سعد وعقبة بن نافع وحسان بن النعمان ثم موسى بن نصير، هذا الأخير الذي استقر معه الفتح بعد عقود طويلة من انتفاضات الأهالي وهجمات الروم البيزنطيين، ليدخل المغرب ضمن أقطار الدولة الإسلامية في أواخر القرن الأول الهجري، وانطلقت منه فتوح الأندلس وأوروبا حيث كان طارق بن زياد -أبرز قائد لهذه الفتوحات-من أبناء هذه البلاد.

لكن الاضطرابات التي شهدتها الدولة الأموية في أواخر عهدها أدت إلى قيام قلاقل؛ نتيجة جور وتعسف الولاة الأمويين على بلاد المغرب مما دفع الأهالي الى اعتناق الدعوة الخارجية، فاشتعلت ثورة الخوارج بالشمال الافريقي بدءً من سنة 122ه، ومرت المنطقة بفترات عصيبة انتهت بقيام إمارات مستقلة بالمغرب الإسلامي في بداية عصر الخلافة العباسية، لتنقسم البلاد الى إمارتي للخوارج الاباضية والصفرية بكل من تاهرات وسجلماسة، ثم دولة الأدارسة العلويين في المغرب الأقصى، وكذلك إمارة الأغالبة بافريقية التابعة بشكل شبه مستقل للعباسيين، وإذا أضفنا استقلال الأمويين بالأندلس فسنخرج بنتيجة انفصال الغرب الإسلامي عن السلطة السياسية للدولة العباسية في المشرق.

ساد نوع من الهدوء منطقة المغرب طيلة مدة قرن ونصف (164ه-299ه)، إلى أن قامت الدولة الفاطمية ذات المذهب الإسماعيلي الشيعي، فشهدت المنطقة اضطرابات وفوضى استمرت طيلة القرن الرابع الهجري، حيث حاول العبيديون فرض سيطرتهم على مجموع بلاد المغرب، إلا أن محاولاتهم هذه باءت كلها بالفشل لاعتراض المغاربة عن المذهب الشيعي المنحرف وتمسكهم بالسنة والجماعة، إضافة إلى اصطدام الفاطميين بالأمويين الأندلسيين مما جعل المغرب ساحة للصراع العبيدي الأموي خلال هذه الفترة.

ومع انتقال العبيديين إلى مصر وإخفاق خطتهم في المغرب؛ خلفوا ورائهم أتباعهم الزيريين الذين حكموا افريقية والمغرب الأوسط، في حين أن المغرب الأقصى خضع في معظمه لسلطة القبائل الزناتية، بعد ضعف الأمويين في الأندلس وسقوط خلافتهم وتفرقها الى طوائف. وظهرت بعد فترة إمارة بني حماد في المغرب الأوسط وهم صنهاجة وأقارب للزيريين، وظل جميع هؤلاء على ولاء للدولة العبيدية في القاهرة، إلى ان أقدم الأمير الزيري المعز بن باديس على إلغاء المذهب الشيعي وإرجاع السنة والتمرد ضد العبيديين، فأدى بهؤلاء الى إرسال عرب بني هلال البدويين الى افريقية وتخريبها، ليتقهقر نفوذ بنو زيري والحماديين إلى السواحل الشمالية وبسطت القبائل العربية سيطرتها على قُطري افريقية والمغرب الأوسط.

إزدادت أوضاع المغرب تأزما بعد الغزو الهلالي في منتصف القرن الخامس الهجري، وفي الوقت ذاته بدأت تظهر قوة في جنوب المغرب الأقصى وفي الصحراء بالذات؛ بعد أن استطاع عبد الله بن ياسين جمع قبائل لمتونة الصنهاجية والبدأ في تأسيس دولة المرابطين، التي اكتسحت المغرب الأقصى في بضع سنوات وقضت على الكيانات الزناتية الجائرة والنحل الضالة بالمنطقة، وبوصول يوسف بن تاشفين إلى حكم الدولة الناشئة توحد المغرب الأقصى مع جزء من المغرب الأوسط، وبنى مراكش كقاعدة للمرابطين وقضى على مذاهب الزندقة كبرغواطة وبقايا الخوارج والروافض، ليقوم بإحياء منهاج السنة الصحيح إضافة الى إنقاذه الأندلس وهزيمة النصارى في موقعة الزلاقة 479ه، ومن تم اخضاع البلاد وتصفية ملوك الطوائف ليبدأ عصر الدول الكبرى بالمغرب وارتباطه السياسي بالأندلس.

حكم المرابطون المغرب الأقصى وقسم من المغرب الأوسط مع الأندلس الإسلامية؛ وفي الوقت نفسه تعرضت سواحل المغرب الأدنى للغزو النورماني الذي انتهى من احتلال جزيرة صقلية، بعد ضعف سلطة الزيريين وتضعضعها أمام غارات العرب، لكن ما لبتت دولة المرابطين نفسها أن ضعفت ولحقت بها قلاقل نتيجة حركة الموحدين وزعيمهم ابن تومرت، وكذلك انشغالهم بالجهاد في الأندلس، فتمكن الموحدين بقيادة عبد المومن بن علي من اسقاط دولة المرابطين وحكم المغرب.

قامت الدولة الموحدية في المغرب الأقصى لكن سرعان ما اجتاحت المغرب الأوسط وافريقية، لتتمكن من توحيد المغرب الكبير سنة 555ه، بعد أن قضت على بقايا الزيريين وبني حماد وطردت النورمان من السواحل الشرقية، كما ورثت حكم المرابطين أيضا بالأندلس، وجاهد الموحدون ضد المسيحيين وانتصروا عليهم في معركة الأرك عام 591ه في عهد يعقوب المنصور، لكن هزيمتهم في وقعة العقاب كان إيذانا بسقوط دولتهم وتدهور أمر الأندلس.

عصفت الاضطرابات ببلاد المغرب من جديد نتيجة اضمحلال دولة الموحدين الكبرى، التي كانت قد بسطت نفوذها على مجموع المنطقة، فسقطت معظم حواضر الأندلس عدا غرناطة التي احتفظ بها المسلمون تحت سلطة بنو الأحمر،لكن المغرب الإسلامي انقسم الى ثلاث إمارات في كل من أقطار شمال افريقيا الثلاث، حيث بنو مرين بفاس والزيانيين بتلمسان والحفصيين بتونس، فحاولت كل من هذه الدول التوسع على حساب جارتها، فاندلعت مواجهات بينهم في القرنين السابع والثامن الهجري، فغفلوا بذلك عن العدو الصليبي الذي أحاط بمسلمي الأندلس وتربص بهم، بالرغم أن المرينيين حكام المغرب الأقصى قدموا لهم خدمات جهادية في البداية؛إلا أن سلاطين غرناطة قابلوها في الغالب بالخيانة والتواطئ مع الأعداء، فكان الحال هكذا إلى أن سقطت غرناطة معقل المسلمين الأخير بالأندلس فواجه المغرب بعد ذلك كوارث صليبية.

تغير العالم كثيرا بعد سقوط غرناطة وانتهاء أمر الاندلس، فقد دخلت أوروبا فيما سمي بعصر النهضة وانطلقت رحلاتها (الكشوفات الجغرافية)،ثم كان زوال دولة المماليك بالمشرق بعد بروز الدولة العثمانية وتزعمها للعالم الإسلامي حيث خضع لها معظم بلاد المغرب، هذا الأخير الذي كان يعيش وسط اضطرابات فوضوية بعد تمكن الايبيريين من الاستئثار بأموره، حيث احتلت البرتغال سواحل المغرب الأقصى بينما هاجم الاسبان الموانئ المتوسطية بكل من المغرب الأوسط وافريقية.

تقهقر أهل المغرب الكبير أمام هجوم المسيحيين الكاثوليك القادمين من الأندلس المحتلة، فسقطت قواعد ساحلية مثل سبتة ووهران ومدن أخرى،إلا أن ظهور العثمانيين في الشرق المغربي وتحركات الجماعات الجهادية الصوفية بالمغرب الأقصى قد أردع الصليبيين، واضطروا للتوقف عند السواحل التي احتلوها، فكان الأمر أن خضعت افريقية والمغرب الأوسط للدولة العثمانية بينما حكم الأشراف السعديون المغرب الأقصى، رغم الخلافات التي سرعان ما اندلعت بين هؤلاء المسلمين، الا أنهم تصدوا جميعا للحملة الصليبية البرتغالية بالقصر الكبير شمالي أقصى المغرب، وانتصروا هناك في معركة وادي المخازن عام 986ه/1578م.

حصل نوع من الركود الحضاري ببلاد المغرب على غرار باقي بلدان العالم الإسلامي،فبالرغم من انطلاق عمليات الجهاد البحري ضد السفن النصرانية المستأثرة بمياه المتوسط؛ إلا أن التراجع الإسلامي أمام التقدم الغربي قد حال دون استرجاع الأندلس،أو توحيد البلاد في ظل دولة إسلامية قوية سواء مغربية أو مشرقية، فالخلافة العثمانية بعد هذا العهد بدأت تضعف وعلامات الوهن تظهر فيها، رغم تمكنها من دفع الخطر الصليبي على الأمة الإسلامية وبسط نفوذها على غالب الأراضي المغربية في إيالات طرابلس وتونس والجزائر، الا أن الحضور الإسمي يغلب على التواجد الفعلي والتبعية لاسطنبول العاصمة. وفي المغرب الأقصى لم يستطع السعديون ولا ورثتهم العلويون من تحرير جميع المدن المحتلة ولا حتى المواجهة الندية للأيبيريين وهزيمتهم، حيث تميز العصر الحديث بتراجع المسلمين التدريجي نتيجة عوامل عدة فكان للمغرب نصيب من ذلك.

وكان من الطبيعي أن يقع بلاد المغرب فريسة للاستعمار الأوروبي، الذي استفحل وانكشفت أنيابه في القرون الأخيرة، وبدأ الأمر بالجزائر التي احتلتها فرنسا عام 1830م، لتنفصل عن الدولة العثمانية –ولو إسميا-ثم أُلحق بها القطر التونسي أواخر القرن التاسع عشر، ليطبق الخناق على المغرب الأقصى الذي استسلم في بداية القرن العشرين واقتسمته كل من فرنسا واسبانيا، فصار بذلك بلاد المغرب الإسلامي خاضعا في معظمه للاحتلال الفرنسي الذي بدأ يغير من معالمه منذ هذا الوقت.

ليخضع بعدها بلاد المغرب للهيمنة الامبريالية الغربية،على غرار بقية بلدان الأمة، فكانت النتيجة حالة من التخلف الحضاري والتمزق القطري بسبب النزعات الوطنية ومحاولة غرس النعرات القومية، وغياب الرابط الديني والعقائدي الذي سيكون بحضوره استعادة لوحدة بلاد المغرب الكبير مع باقي الأمصار الإسلامية في كثلة واحدة موحدة، لتدخل بذلك هذه البلاد التاريخ من جديد.