قطّاع طرق، بطون لا تشبع وعيون لا تقنع، جعلوا إلههم المال ونبيّهم الدولار واتخذوا الإسم المستعار، رئيس دولة.

عبأت الشعوب نفسها، وأطلقت رصاصة الموت تطلب صدور هؤلاء الذين تفشّى في قلوبهم سرطان حب السلطة، فكانت ثورة تشفي صدور قوم مؤمنين وتعيد إلى الأذهان صور المجد التليد، وما إن بدأت الشعوب بتضميد جراحها والتخطيط لمستقبلها الموعود، حتى أمطرتها رصاصات الخيانة من خلفها ومن فوقها، واكتشفت الحقيقة المرّة، فما كانت هي إلا مقدمة لجيش جعلها تتلقى بصدرها فوهات المدافع ونيران القنابل، وتستنشق غبار المعارك وأدخنة اللهيب المشتعل، فمهدت الطريق أمامه ليتخذ جسدها جسرا له لاعتلاء عرش السلطة، وليعود المشهد ذاته بقاطع طريق جديد في الشكل، عتيق في المذهب والعقيدة.

هذا حال الشعوب العربية التي عانت وما زالت تعاني من القهر والقمع والظلم، قبل أن يولد يجهض الأمل في رحمها، وتوأد الثورة في مهدها.

طموحنا الذي نسعى إليه في أوطان آمنة والحفاظ على خيرات تملكها أيادينا، كان هو الوتر الذي يعزف عليه أولئك الطامعون لضم أكبر عدد ممكن من الجنود لمقدمات جيوشهم، يبرزون لنا أجمل الشعارات لتلهج بها حناجرنا وترق لها قلوبنا، فيحلق بنا هرمون السعادة الكاذب لنعانق فضاءنا، حتى يهوي بنا إلى درك أسفل من الدرك الذي قبعنا فيه لأزمنة مديدة، وهكذا الحال جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن.

نحن نسكن سفينة يقودها ربّانان، بوصلة كل منهما تشير إلى طريق معاكس لطريق الآخر، ودورنا الوحيد فيها هو المراوحة بين كرّ هذا وفرّ ذاك.

كيف لا يكون حالنا كذلك وقد قالوا: لا خير في أمة تأكل مما لا تزرع وتلبس مما لا تصنع؟!

كيف لا يكون حالنا كذلك وقد جعلنا الإشاعة والغيبة والنميمة دستورا نحاكم به بعضنا البعض، وألقينا وراء ظهورنا آيات الكتاب وحكمة سيد أولي الألباب؟!.

إنها حرب عقائد، عقيدة الاشتراكية وعقيدة الرأسمالية - بل يا ليتها كانت عقائدا بل نظريات وضعها آدميون- ولكن الحرب تحتاج إلى ساحة يستعرض كلا منهما قوته فيها، فاتفق هذان القطبان على أرض محايدة أضاع شعبها مصباحه المنير، وبات يتخبط في ظلامه، فكان الخيار الأمثل هو أرضنا، كيف لا وغنائم هذه الأرض لا تنفد بركتها ولا ينضب معينها، ومن وجهة نظرهم العنصرية أننا لا نستحقها.

فبدأت حياكة المؤامرات ورسمت خرائط الطريق، ارتدوا أقنعة زاهية براقة ليواروا أفواههم التي تبث السم في العسل، باسم الديموقراطية (حكم الشعب) أنشئت الأحزاب السياسية حتى أصبحنا شيعا، كل يدافع عن أحد المذهبين بكل ما أوتي من قوة وكأنه هو من اخترعه وأسس دستوره مستبيحا الدماء والأعراض، وباسم الحرية أخرجت المرأة من جلبابها وحيائها فقتلت الغيرة والشهامة التي رضعناها كحليب أمهاتنا، وباسم حماية حقوق الإنسان دخلت المنظمات والهيئات الأجنبية إلى عقر دارنا بل وتربّعت فيها، فاطّلعت على أساريرنا واكتشفت ثغراتنا لتمتد أذرعها شيئا فشيئا حتى باتت تملك المكان وأهله، والنتيجة كانت نجاحا باهرا، فانقسم الشعب إلى شعوب يتصارعون فيما بينهم.

وما كانت هذه الثورات إلا مؤامرة من مؤامرات هذين الماردين لزيادة الاقتتال وتأجيج نار البغض والعداء فيما بيننا، مستغلين عواطفنا ورغبتنا الفطرية الملحّة في استقلالنا واستعادة ملكنا، ولقد جعلونا نصدق هذه الثورات ونتغنى بها، وكيف لا نصدقها وقد نجحنا وتخلصنا من طاغيتنا وقاطع طريقنا ذاك؟! ولكننا لم نكن ندري بأن طاغية آخر يتم إعداده وتدريبه في الخفاء، ليحل محل سابقه ويسير على نهجه بل إنه كان نائبه في حزبه.

لم يعد يكفي أيها السادة أن نكون ناطقين بلغة الضاد وساكنين في ذات الأرض، حتى نشكل شعبا واحدا يقود ثورة تقضّ مضاجع أعدائنا، بل يجب أن يسبق هذه الثورة ثورة عقل، ثورة لاستعادة مذهبنا وعقيدتنا الأصيلة وتسطير دستور بقلمنا تكون كلمته المفتاحية هي الإسلام.


بقلمي

منال العمري

23/9/2019م.