وأخيراً ... يخرج جنينه إلى النور، بعد ثلاث وثلاثين يوما قضاها في بطن أمه، ليكمل نموه في جيبها الخارجي على سطح بطنها، لمدة لا تقل عن ستة أشهر، يكون فيها محضونا بعطف أمه ورعايتها له، يتناول حليبها ويتلذذ به كمن ملك الدنيا وما فيها، فلا يدري ما هو البقاء وصراعه مع القحط والجفاف، ولا يدري ما ينتظره من كلاب برية وزواحف مفترسة تنتظر بفارغ الصبر لحمه لتملأ معدتها، ولم يتعرف بعد على طمع الصيادين والتجار الذين يتربّصون به لسلخ فرائه وبيعه بأعلى الأثمان.

حضانة ... بعدها .... انطلق ليقطف غذاءه العشبي، يمشط فراءه ويدافع عن نفسه باستخدام مخالبه التي نمت على أطراف قائمتيه الأماميتين القصيرتين.

في يوم صيفي جميل،كان يشارك قطيعه الرعي واللهو في موطنه، حتى أخذت الأشعة الذهبية بالانحسار قليلا قليلا، ليبدأ الهدوء يخيم على المنطقة تمهيدا لوقت النوم، يلمح فوهة بندقية تتجه صوبه، فيقفز قفزة وصلت إلى عشرة أمتار إلى الأمام مستخدما قائمتيه الخلفيتين الطويلتين، وبدأ يضرب ذيله على الأرض ليحذر قطيعه من اقتراب خطر ما، كان يعدو ويعدو بسرعة وصلت إلى ما يجاوز الخمسة والأربعين كم/ساعة، طلقة نارية اتجهت لتعدو خلفه طالبة لحمه وفراءه، ناورها بكل حنكة وذكاء حتى أفلت من قبضتها، ولكنه ضلّ طريقه وهو يختبيء بين أشجار الغابة بعد أن أعياه التعب، ليجد نفسه على أطرافها المحاذية لشارع رئيسي يزهو ببريق أنوار مصابيحه ومصابيح سياراته، فكان على الموعد ... موعد القدر الذي ساقه ليتقابل مع شاحنة نقلته إلى حياة أخرى ...

رحلة في هذه الحياة مدتها خمسة عشر عاما عاشها هذا المخلوق الجميل، الكنغر ... الحيوان الأكثر شهرة في أستراليا، بل هو الحيوان الوطني لها، فسبحان الله العظيم الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.


بقلمي

منال العمري