ونحن في جلسة الحوار تلك، الكل يحاول حلّ الألغاز، ويستنبط الأفكار، نستنتج أمورا لا يصدقها عقل، فكل يسرح بخياله إلى حيث تسوقه أفكاره، أما الصغار فخارت قواهم، يتكيء بعضهم على بعض، لم تكن تلك اللقيمات لتسمن أو تغن من جوع، وقد تناولوها مجبرين كارهين، حتى نطقت إحدى الفتاتين التوأم بسؤال أثار كل حواسي، قالت:

أين أساتذتنا؟! لو أنهم لم يأخذوهم بعيدا عنا لاستطاعوا أن  يجدوا حلا لمشكلتنا.

قلت متلعثما بكلمات مثقلة، تحمل على كتفيها أطنانا من الدهشة الممزوجة بالخوف:

أساتذتكم؟! وهل كان هنا أحد غيركم؟

قالت الفتاة -لا أدري إن كانت عبير أم غدير- :

نعم، لقد ألقوا القبض علينا جميعا.

توجهت ببصري إلى خالد وسلمى، قلت:

ألن تقولا شيئا؟ ألن تشرحا لي الأمر؟

أتعرفان أمرا كهذا ولم تخبراني به؟ ثم كيف وصلتم إلى هذه المنطقة جميعكم؟ يا إلهي كم كنت غبيا! كيف لم يتبادر إلى ذهني أن أسألكم منذ متى وأنتم هنا؟!

على رسلك يا بهاء، الأمر لا يحتاج كل هذا اللوم، وإن حتى أخبرناك بالأمر ما الذي سيتغير؟! لا شيء سوى إضاعة الوقت، المهم الآن أن نحل أمورنا ونستأنف محاولاتنا، ألا توافقيني الرأي يا سلمى؟

نعم، هذا صحيح، وقد لاحظت أمرا آخرا.

ما هو ؟

قبل التحدث مجددا في هذا، أنا أريد أن أعرف أين أساتذتكم، وما الذي جاء بكم إلى هذه المنطقة؟

ما بك يا بهاء؟ لم كل هذا الإصرار؟ دع سلمى تكمل ما أرادت قوله، ثم عندما نخرج من هنا إن شاء الله، سأجلس معك مطولا ونتحدث، سلمى هيا أكملي...

ذلك الجهاز الخاص الذي ينسخ الشرائح والذي تحدثت عنه الملكة، أين هو؟ ربما بإمكانك يا بهاء أن تساعدنا في إيجاده، حاول أن تبحث عنه عندما تطلبك الملكة لتطلع على الشريحة.

نعم هذه فكرة جيدة، كما أننا قد علمنا بأن منطقة الذاكرة في أدمغتنا هي المنطقة المستهدفة لزرع الشريحة بها، أليس كذلك يا بهاء؟ ألم تقل هذا؟

بهاء، بهاء، ما بك ؟ أين ذهبت؟ ألن تجيب؟

كنت ذاهلا شاردا أفكر بتلك الدماء التي رأيتها، هل كانت لأولئك الأساتذة؟! يا إلهي إن الأمر جلل، ربما الوقت الذي تبقى لنا هو أقل بكثير مما نعتقد، وهذه اللعينة لن تصبر كثيرا، رفعت رأسي وأجبت:

بلى، بلى ، هذا صحيح يا خالد، ولذلك لم يتمكنوا من أن يتموا عملهم معي بسبب تدمير أجزاء من هذه الخلايا لدي.

إذن تلك المشاعر البغيضة التي يحاولون تنميتها لدينا المسؤول عنها هي بعض الخلايا الموجودة في منطقة الذاكرة، ألا يمكن لك يا بهاء استدعاء بعض المعلومات المتعلقة بهذا الأمر؟

بالتأكيد يا سلمى.

حاولت البحث عن المعلومات المطلوبة وقد أفلحت:

نعم هذا صحيح تماماً، يتراءى أمامي موضوع يتحدث عن هذا الأمر.

هيا أخبرنا، ماذا يقول؟

لقد قام عدد من الباحثين بعمل تجربة على دماغ الإنسان مستخدمين تقنية المسح الضوئي، فلاحظوا أن أجزاء من خلايا الدماغ تضيء في حالة استثارة عواطف المحبة والكراهية لدى الشخص تحت التجربة، وهذه الخلايا تابعة لمنطقة تدعى الجهاز الحوفي، وهي قريبة جدا من منطقة الذاكرة أيضاً.

وما معنى إضاءة الخلايا يا بهاء؟ هل يوجد معلومات عن ذلك؟

نعم، إضاءة الخلايا تعني أنها في حالة نشاط، أي أن الإنسان حالياً يفكر بالشيء الذي يحبه أو يكرهه.

هل يعني هذا أنك لا تحب ولا تكره الآن يا بهاء؟ ألم تدمر أجزاء من هذه الخلايا لديك؟

ماذا تعني يا خالد؟ هل تقصد بأنني أصبحت آلياً فعلا وجردت من إنسانيتي؟ أنا لم أعد أعرف أي شيء.

كلمات خالد تلك أيقظتني على حقيقة مؤلمة، هل هذا صحيح فعلاً ؟ هل أصبحت لا أعرف معنى الحب والكره؟ لا ، لا يمكن، فأنا الآن أشعر بأنني ما زلت إنسانا، ألم أضحك؟ ألم أبك؟ ألم أشعر بالحب؟ ألا أحاول جاهداً بكل ما أوتيت من قوة أن أدفع ظلم هؤلاء عن أبناء جنسي؟ ماذا يسمى هذا إذن؟ أليست تلك عواطف إنسانية؟

أدرك خالد بأنه قد جرحني بسؤاله، فاستأنف قوله محاولا تصحيح الموقف:

ولكن حسب ما رأينا بأنك تحاول أن تساعدنا للتخلص مما نحن فيه يا بهاء، وهذا هو التعاطف بعينه، أليس كذلك؟

فأجبت حائراً :

ربما هو كذلك، أو أنه عبارة عن مهمة أوكلت إلي وأنا أنفذها تماماً، مثل هؤلاء الجنود الآليين، كيف لي أن أعرف؟

هوّن عليك يا بهاء، في كلا الاحتمالين أنت تقوم بالمساعدة وهذا يكفي على كل حال، لكن إذا أردت أن تعرف أي الاحتمالين هو الأغلب فأظن أن الأمر بسيط.

ماذا تعنين يا سلمى؟

لنفرض أن من أوكل إليك هذه المهمة قد طلب منك الانسحاب فوراً، فهل ستنفذ الأمر؟

حتماً لن أفعل، نعم أنا لست متأكداً بأننا سننتصرعلى هؤلاء، ولكن لن ننسحب ولن نستسلم و نحقق لهم ما يريدون.

إذا كان ما قلته هو الحقيقة، فأنت ما زلت إنساناً يا بهاء، الآلي مسيّر لا يملك قراره.

حسناً ،كيف لنا الآن أن نوفق بين البحث الذي قرأناه، وبين أنني ما زلت محتفظاً بإنسانيتي؟

يا الله ما هذا؟ تصورت أننا بدأنا بحل أولى عقد هذه المشكلة ولكن يبدو أن الأمر يزداد تعقيداً.

قالت سلمى:

اليأس لا يليق بنا يا خالد؟ يقولون اشتدي أزمة تنفرجي، كل ما في الأمر أن هناك حلقة مفقودة علينا السعي لإيجادها.

ما فهمته حتى الآن أن الأمر ينتهي إذا أنهينا هذه الملكة، فلماذا لا نهجم عليها جميعنا وندمرها، لماذا نحمل المشكلة أكثر مما تحتمل؟

قهقهت عالياً فور سماعي كلمات خالد، كان الصديقان وبعض الفتيان والفتيات يحدقون بي مستهجنين فعلتي هذه، فحاولت إمساك نفسي عن الضحك، وقلت:

ما بالكم تنظرون إلي هكذا؟ أنا أعتذر، ولكن ما قاله خالد ذكرني بذلك الهجوم الذي قام به معكم ضدي من قبل، ويبدو أن خالداً يحب هذه الطرق في حل المشاكل.

قبل انتهائي من الكلمة الأخيرة حتى تعالت الضحكات، وأصبحنا نتنافس في استرجاع تفاصيل ذلك الموقف، سبحان الله كيف تكون بعض المواقف مؤلمة في لحظة من الزمن، ثم تكون في ذكراها مسلية ممتعة، هذه اللحظات المملوءة بالسرور كانت كصمام أمان يفتح في حالة الطوارئ؛ لتخفيف ذلك الضغط الذي ملأ صدورنا وعقولنا، ما أجمل أن نتذوق المعاني الجميلة لكل نعم الله علينا فالفرح نعمة، والحزن نعمة، والصداقة نعمة، بل في كل لحظة نعيشها نعمة.

ولكن خالداً لم ييأس، وأصر على إعادة طرح سؤاله:

لنعد الآن إلى موضوعنا ولنكن جادين، ألن ينتهي هذا الأمر عندما نقضي على تلك الملكة؟ هيا أجيبوني ، هل سؤالي سخيف؟

لا ليس سخيفاً يا خالد، ولكن كيف لنا أن نفعل ذلك وهي محاطة بجنودها؟ خاصة أننا عزل لا نحمل سلاحاً.

ألم تقل بأن الجنود مبرمجين لعدم استخدام العنف معنا؟

نعم هم كذلك، ولكن هل تضمن أنهم سيكونون كذلك في حال تعرضهم للهجوم؟ هذا غير مؤكد.

يخيل إلي أن هذه لعبة شطرنج.

لعبة شطرنج؟ ماذا تقصد يا خالد؟

إنه يقصد لعبة الشطرنج ذاتها يا بهاء، ألا تعرفها؟

نعم بالتأكيد أعرفها، ولكن ما علاقة هذه اللعبة الآن؟

حتى تفوز بهذه اللعبة عليك محاصرة الملك، وهذا لا يكون إلا عندما تقوم بتصفية من حوله كوزيره والقلاع والفيلة والأحصنة، ومن أمامه من الجنود.

ولكن الأمر ليس بلعبة يا رفاقي ، بل هو أصعب من ذلك بكثير، آآه ، إنه صوت ذلك الضجيج، أتسمعونه؟ لقد أتوا، هل تعتقدون أنهم أحضروا الشريحة؟

يفتح أحد الجنود الباب، والعيون التي نامت من شدة جوعها واضطرابها هي الآن مستنفرة محدقة، إنه خوف الصغار، لو كان الأمر بيدي لصنعت شريحة تساعد هؤلاء الأطفال حتى لا يعيشوا أي نوع من الخوف مجددا.

أصدر الجندي صوتاً يقول:

أيها المساعد، إن الملكة تطلبك الآن.

هل تعلم ما الذي تريده مني؟

لا أعلم.

حسناً، أنا قادم، هيا بنا.

نظرت في عيون أصدقائي فوجدتهم يودعونني بصمت ينطق، يدعون لي، ويطلبون من الله أن يكون في عوني، فهم يعلمون أنني خالي الوفاض، جاهل بهذا المكان مثلهم، ليس لدي ما أفعله مع تلك الشريحة، لا يوجد خطة، ولكن رغم هذا كله فقد آثرتهم على نفسي، ورضيت بأن أكون في فوهة المدفع، بكل هذا تحدثت عيونهم، والتي تكاد تكون أكثر بلاغة من اللسان، بل إن العيون لتتفوق على كل وسائل التعبير، فهي الأصدق دائماً.