سوف أحكي لكم قصتي التي حدثت منذ أربعين عاماً . 

(عليا) هو إسمي كما يُنادونني به ويكتب علياء ، قليل عندما ينادوني علياء ، في حالة الجدية فقط ، أشعر وقتها أن هناك كارثة حدثت لا علم لي بها ولكن أنا الفاعلة بالتأكيد بعد نُطق الهمزة .

عُمري عشرون عاما ، أبي وأمي أطال الله عمرهما لم يُرزقا إلا بي .. أنا كل ما يملكانه لذلك خوفهما مُبالغ فيه قليلا على الأقل في نظركم .. أَأُبالغ؟ .. حسناً سترون وتحكموا بعد قليل ؟

أنا في حياتي كلها لم اذهب في أي مكان دون والداي ولم أكن مثل باقِ الاطفال لم أشاركهم الرحلات قط .. ولا حتى لحديقة الحيوان بجانب بيتنا بشارعين .

في الابتدائية لم تُفارِقُني أمي كانت تقوم بتوصيلي وتنتظرني وتعود بي للمنزل وكانت تُنجز ما بقى من واجبات المنزل من تنظيف وإحضار الطعام حتى يأتي أبي من العمل ويجده جاهزا.. وصلاتها كانت في وقتها وتذاكر لي ايضا حتى أنا كنت اندهش منها ، كانت أمي بالنسبة لي بطلة، لا تلك التي لها قوى خارقة غير حقيقية ترتدي رداءً محدد اللون وتقف على حافة مبنى في الليل ليتم أخذ صور لها من على متن طائرة يكاد المصور يقع منها ليأخذ (الصورة الرائعة) التي سيتهافت عليها الجرائد المجلات ليحصلوا عليها .. فأمي كل ما كانت تفعله كان بالنسبة لي قوى خارقة ، فهل تستطيع تلك المُمثلة أن تفعل مثل أمي!! بالطبع لا.

وأبي الذي يعمل في المصنع حتى تشققت وجفت يداه ليجلب لي ما أُحِب وأتمنى كان دائما طلبي مُجاباً . لنتفق على حقيقة ما ؛ أبي وأمي بالنسبة لي بطلان، ولن تتغير هذه الحقيقة .

في الإعدادية أمي مازالت تأتي معي وتعود بي ولكن كعادة أي مراهقة ستشعر بقليل من الإحراج بين زميلاتها ولكن ليس من أمي لاااا حاشااا ،

بل فقط لوصولي لهذا العُمر وما زلتُ اعتمدُ عليها _ هكذا سيقولون _ في الذهاب الى المدرسة . حتى أن أبي اشترى لي هاتفا خلويا حتى يطمئن علي في الإستراحة .. أمي بالخارج تنتظرني وأبي يُهاتفُني ، ألم تندهشوا بعد ؟! .. حسنا ما زال الوقت مبُكرا قليلا..

في الثانوية ، من الطبيعي أني كبرت ، كُلنا متفقون في ذلك ؟ عظيم .

أمي ما زالت لاتُريد تركي اذهب وحدي ، عارضتها ونظرت لأبي ليُنصفني ، ولكن حالهُ كحال أمي حتى أنهم كادوا أن يبكوا حتى أوافق ، يقولون أنهم سيفقدوني أو أحدهم سيضحك علي بقطعة حلوى وسيخطفني

" يا أمي لقد كبرت عُمري ستة عشر ، كيف لي أن أُخدع بقطعة حلوى يا نااااس ؟!! "

وبعد معاناة وتكرار فيما قيل وافقوا. والآن أول يوم لي اذهب وحدي الى المدرسة الثانوية ، تجهزت وتوكلت على الله وسلمت عليهم وذهبت بعدما أوصوني الوصايا العشر حتى لا أقع في شباك الخاطفين ، لم امشِ إلا خطوتين من المنزل فقط وجدت أمي تُهاتفني ، نظرت لشُرفتنا وجدتها واقفة تراقبني أشرت لها بالسلام وذهبت في طريقي ، عندما وصلت اندهش أصدقائي بمجيئي دون أمي ، فقلت أنها بخير ولكني فقط كبرت على مجيئها معي ، ثم وجدت إحداهما تضحك وتنظر خلفي وقالت لي " أُمُتأكدة من كلامك؟" فأدرتُ ظهري لأجدهما خلفي ببضع خطوات من بعيد يُراقباني ويتوارا عن الأنظار حتى لا أراهما ، ابتسمت وذهبت باتجاههما فادركا أني رأيتهما ولا مفر من المواجهة ، ضحكت وحضنتُهما وقلت لهما المثل الشعبي " رجعت ريمة لعادتها القديمة " وكان أول يوم أسير فيه وحدي هو آخر يوم ، تقبلت فكرة خوفهما ولا أستطيع تغيرهما ، فوضعت نفسي مكانهما كنت لأفعل ما فعلا .

واستمر هذا الوضع حتى تخرجت من الجامعة ، والآن قولوا لي بكل أمانة وصدق هل اندهشتم هل هو خوف مُبالغ فيه بالنسبة لكم ؟ أمّا أنا قد اعتدت عليه حتى أنا من كنت أطلب وأتأكد منهم أنهم سيرافقونني حتى في ذهابي لآخر الشارع لأشتري بعض الاشياء البقالية .

الوضع اختلف.

عندما رزقني الله بعمل مُناسب لي ، وجدتهما قررا أن يترُكاني أذهب وحدي فالعمل قريب من المنزل وأبي يعرف مُديري غير أني أحمل هاتفا يمكنه أن يطمئن علي في أي وقت ، وجدت صعوبة في بداية الأمر لكن قلت لنفسي :-

" ألم يكن هذا ما أريده منذ سنوات ، ماذا تغير ؟ اعتدتِ رفقتهما أليس كذلك ؟ هذا ما كانا يقولانهُ لكِ ولم تفقهيه وقتها ؟ لكن لا لوم ، اصبحتِ عشرون عاما، اعتادي ذلك ياعليا "

ومرت الأيام والشهور واعتدت سيري وعودتي وحدي ، لكن كنت أرى أمي كل يوم في عودتي تنتظرني في الشرفة وتهلل عندما أقترب من البيت .

" يا الله كم أُحِبُها وأبي ، يا رب أحفظهما لي كما ربياني صغيراً "

ولكنى جئت لهم اليوم برجاء لعلهم يوافقون .بدأت دون مقدمات ودون انقطاع ونحن على طاولة الطعام :

" هناك رحلة عمل تابعة للشركة مع موظفين آخرين وهناك وسيلة ذهاب وإياب ، أرجوكم وافقوا هذه الرحلة مهمة لي إذا نجحت فيها سيتم تنفيذ مشروعي و ترقيتي"

ثم صمتُّ ونظرتُ لهم ، وجوههم متجهمة كادت أن تنطق أمي إلى أن أشار أبي لأمي بالتوقف وقال لي :

" إنهِ طعامِك أولا ثم نتكلم "

وبعد الإنتهاء من الطعام والصلاة ، نادى علي أبي وقال : "اجلسي"

جلست بجانبه وكدت أن أتكلم مرة أخرى كالشلال الذي لا يتوقف عن ضخ الماء ، لكنني فوجئت بكلمته :

"أعلم"

"ماذا يعلم؟ كيف يعلم ؟" قُلتها في نفسي ، وجدته يُجيب وكأنه يسمع ما أُسِّرُهُ في نفسي " وائل أخبرني ، تصادفنا اليوم وألح علي كثيرا أن أوافق لاُنه يعلم ماذا سأجيبه ، لكن …." في هذه اللحظة توقف الزمن بالنسبة لي وتسارعت ضربات قلبي وكأن كتيبة الإعدام تنتظرني اليوم لأمُرُ بالرداء الأحمر ، نظرتُ لأُمي ، رأيتها مقتضبة الوجه وكأنها تعرف ما سيأتي بعد هذه الكلمة التي نهايتها اثنان لا ثالث لهما إما بالرفض وهذه الحالة سوف أسبق من يجروني للمشنقة لأفعل جميلاً لهن لن ينسياه وأخلص نفسي من عذاب الإنتظار ، أو سيجيب علي بالقبول وهذا ما أتمناه ، وفي هذه الحالة سيعجز لساني عن النطق من سعادتي ، وبالفعل كان الجواب الثاني ،لذلك كانت أمي مُنزعجة .

قال لي " ولكن وافقت بشرط ، ألا يترُككِ وحدكِ وألا تغيبِ عن أنظاره وأن يتبعُكِ كالظل ، فوافق  دون تفكير ، حسنا ً على خيرة الله يا بُنيتي ، عسى الله أن يكتبُ لكِ كل خير في هذه الرحلة "

بعدما انتهى من كلامه قلت الحمد لله يا رب وااااافق أبي وااافق وهللت وبكيت من سعادتي وأرتميت في حُضنه الذي لا أجد الأمان إلا فيه وأسأل الله أن لا يحرمني هذه النعمة أبداً ، بعدها قبّلتُ أُمي وقلت لها لا تخافِ سُلطانتي سأكون بخير ، ابنتك ستقهر كل الاعداء في المعركة بإذن الله ، فضحكت من كلامي ولم تنطق وأخذتني في حضنها هي الآخرى وربتت علي بشدة وكأنها تودعني للمرة الأخيرة .

أعددتُ عُدتي والآن الأستاذ وائل ينتظر تحت بيتي ليقلّني بسيارته ثم ودعت أمي وأبي ، وتوكلتُ على الله الذي لا تضيع ودائعه .

يتبع