ركبنا السيارة وانطلقنا في طريقنا وبابتسامة عريضة على محياه "صباح الخير آنستي ، أصبحتِ مدينةً لي" قالها وائل وضحك _ هو مُديري ولكن أعمارنا متقاربة لذلك لا تكلفة في الكلام بيننا _ أجبت عليه

"بنعم ، لقد فعلت لي معروفا جميلاً ، شكرا جدا لك ، اطلب ما تريد ، سأفعل ما في وسعي"

فقال مازحاً " ليس الآن لأفكر في شئ ضخم أولاً لاطلبه منكِ" 

ضحكنا وأكملنا طريقنا حتى وصلنا لنقطة لقاء فريقنا وأقمنا المعسكرات في المكان وانقسمنا لمجموعات كل مجموعة لها مشروع خاص بها وسيتم المقارنة بينهم لإعلان الفائزين بالترقية فيما بعد ، كنت في فريق من خمسة أشخاص وبدأنا في سرد الأفكار وتنفيذها ، انتهينا بعد ثلاثة أيام وصار المشروع جاهزاً للتقييم ، لكن بالطبع سيأخذ وقتاً أكبر في التقييم بالاضافة للمشاريع الأخرى ، كنت أُهاتف أبي وأمي كل يوم طوال الثلاثة أيام الفائتة .

عندما مللت من انتظار التقييم قررت أن أستكشف المكان سيراً ، لكنني وجدت الظلُ الذي أخبرني أبي به يتبعني (وائل) فابتسمنا وذهبنا سويا نستكشف المكان حولنا ، ضحكنا وتكلمنا كثيرا في كل شيء وما بين صحراء وأشجار لم نشعر بالوقت أو كم سِرنا وحل الليل علينا فقررنا أن نعود ، لكننا ضِعنا بدأت أخاف قليلا لكن وائل طمأَنَني أننا سنعود وبعد ساعة من البحث المتواصل ومحاولة ايجاد شبكة لاستعمال هواتفنا لكن لم يكن الحظ حليفنا ، وجدنا بيتا وكان أفضل حل هو اللجوء إليه ، لكن غريب من يعيش في مكان اللامكان هذا لايوجد حياة وهذه القرية مخصصة للمعسكرات ، فتركنا قلقنا قليلاً وطرقنا باب البيت ، لم يرد علينا أحد ، اعتقدناه فارغاً إلى أن سمعنا أحداً يفتح الباب لكن لكثرة الاقفال أخذ وقتاً ، الحقيقة لا ألوم أصحابهم فالمكان بطبيعته مُخيف لا أدري كيف لم نُدرك ذلك قبلاً .

وجدنا سيده أربعينيه مُهندمة ترتدي مثل السبعينات حسناء الوجه تخرج لنا قالت بغضب ممزوج بالخوف  "من أنتم؟ اذهبوا بعيدا ، لا أُدخل الغُرباء بيتي" 

وهمت أن تقفل الباب لكن أجابها وائل سريعا : " أرجوكِ سيدتي اسمعيني ، قد ضعنا في الطريق وبحثنا بلا جدوى ، رأينا بيتك فلجَأْنا إليه ، فهل تأوينا حتى يحلَّ الصباح لا نرى شيئا وصَعُب علينا السير والطقس كما ترين أصبح بارداً ، لا أخافُ على نفسي ولكن صديقتي ستمرض ، أرجوكِ !! "

نظرت لي في شك وقالت " ما الذي يضمُن لي أنكم لستم لصوصاً كالبقية وأنها مجرد طُعم؟!! "

فأجبت أنا هذه المرة والدموع في عيني " يا سيدتي ، عُمركِ في عُمر أُمي تقريباً ، أنا وحيدة أمي وأبي ولم أحادثُهم منذ وصلت هنا ، ضعي ابنتكِ في موقفي وفكري ماذا سترضين لها ، فأرجوكِ اشفقي علينا وساعدينا "

ففتحت لنا الباب وقالت "حسناً لا تبكِ ، أعتذر عن تصرُفي ، ولكن كثيرا ما خُدعت من قبل اللصوص لأني أعيش وحيدة "

رد وائل : "لا عليكِ ، حَقُكِ"

أدخلتنا وأدفأَتْنا في بيتها الشبيه بالبيوت القديمة الكلاسيكية ، كنت أرى مثلهم في أفلام الأبيض والأسود ،كل شيء كأنه من زمن السبعينات ، لكن من تعبنا لم نُدقق في التفاصيل ، ساعات قليلة مرت وحل الصباح كنا قد نمنا من شدة إرهاقنا ، استيقظنا فوجدناها تُدندن وهي تُحضر لنا الإفطار في سعادة .

ونادتنا لنجلس معها على (السُفرة) وإعتذرت مرة أخرى عن سوء تصرفها أمس، وانها سعيدة بوجودنا ، لانها وحيدة لا أنيس لها . كنا نُريد الاستفسار عن وجودها في هذا المكان البعيد لكننا فضلنا الصمت ، وبعد الإفطار قمنا بالإستئذان لنغادر حتى لا يقلق علينا أصدقاؤنا من شدة تأَخُّرِنا .

يتبع