من البدهى أن نمط تفكيرك يقوم بخلق أفعالك ، وأفعالك تترجم إلى واقع مُعاش. لكن عالمة النفس الأمريكية "جينيس فيلهاور " ترى ان هناك خطأ ما فى تلك البدهة ، وأن هناك نوع من الإهانة وأنه لا أحد يطلب لنفسه حدوث المكروه والسوء ، و فى هذا إنكار للقوة .

و فى سبيل إنكارها أوضحت أن الحياة لها ثلاث دلاء :

· الدلو الأول هو وجود أشياء نتحكم فيها

· الدلو الثانى هو وجود أشياء تؤثر فينا ، فنحن نؤثر على غيرنا بأفعالنا ، فإذا دخلت مكان ما وكان يوجد فيه شخص وقررت أن تصفعه على خده ، فإستجابت هذا الشخص ستختلف عما إذا ابتسمت له ، لكنك هنا لا تحدد كيف سيستجيب هذا الشخص ، ربما سيقوم بصفعك او مسامحتك أو...إلخ

· الدلو الثالث هو وجود أشياء لا نملك السيطرة عليها ، مثل العديد من الأحداث العشوائية التى تحدث فجأة وتكون خارج إدارتنا وقوتنا مثل الطرد من العمل وموت شخص عزيز...إلخ

إذن ، فهذه الدلاء الثلاث هى التى تصنع واقعنا المُعاش ، خصوصا الدلو الأول الخاص بالأشياء التى نتحكم فيها وهو الخاص بكيفية إدراكنا وتفكيرنا تجاه الأحداث التى تولد المشاعر حول تلك الأحداث وكيف سنسلك سلوك تجاه هذا الاحداث . إذن هذه الدلاء ، دلاء فردية خاصة بنا نحن ، ونحن نُشكلها بإرادتنا وكامل إدراكنا ، فلا أحد يستطيع إختيار أفعالك و أفكارك ومشاعرك ، كلها لك وحدك.

فمثلا ، إذا أصبحت وحيدًا بدون أصدقاء ، فمن المحتمل سيكون تفكيرك هو أنه لا يوجد شخص يحبنى أو سيحبنى ، فإذن ستنتابك مشاعر سيئة تصل لحد الإكتئاب أحيانًا ، فمن المحتمل الإنخراط فى سلوك سيئ مثل الجلوس لفترات طويلة على السرير . لكن من منظور أخر ، إذا كان تفكيرك أن تلك فرصة جديدة للتعرف على أشخاص جُدد ، إذن فسيكون سلوكك مختلف تمام الإختلاف عن الإحتمال الأول .

هنا ، يكون تفكيرك مختلفًا ، فإذا فكرت مرارًا بنفس الشعور ، تتكون الحقيقة وتكون كالمعتقد ، والمعتقدات تخلق عدسة معرفية تنظر بها إلى العالم من خلالها ، فإذا حدث حدث ما تقوم تلك العدسة بالبحث عن أدلة تتوافق مع الحدث.

وضربت الكاتبة مثالًا على ذلك ، بأنه إذا كنت مرتبط وتركتك شريكتك ، فكونت عن نفسك إعتقاد أنها تركتك بسبب ملابسك وأنك لست بجذاب بما يكفى لها ، ثم قال لك أصدقاء بأنك حقًا جذاب وملابسك رائعة ، فمن المحتمل هنا أنك سترجع إلى منزلك وتركز على كلمة "جذاب" ، إذًا وفق معتقدك "بأنك لست جذاب" ، ستتسأل وتخبر نفسك بأنك لم ترتدى ملابس جيدة وأنهم يقولون ذلك من باب النفاق وتقارن نفسك بغيرك وتقول أنه يرتدى ملابس جيدة فإذن هو "جذاب" .

فنظرًا أن دماغك إنتقائية قائمة على "التهيئة" ، والتهيئة هى زيادة الحساسية تجاه مثير معين بسبب تجربة سابقة وتعتمد بشكل أساس على "الذاكرة اللاواعية". والتهيئة تعمل بنموذج "التنشيط / التثبيط" ، فعندما تقع فى موقف ما ، حينها يكون الدماغ مجهز بإعتقاد ما يتناسب مع الموقف ، فإنه فى تلك الحالة يقوم بغلق الشبكات العصبية المنافسة وتكون عندك صعوبة فى رؤية عكس إعتقاد قد يكون موجود أيضًا ، ولهذا السبب فمرضى الإكتئاب ينظرون إلى العالم بنظرة كلها كآبة و أن هذه تلك "الحقيقة" وما عداها "باطل".

فما تحصل عليه من البيئة المحيطة ويتكون فى دماغك المعتقدات ، فهنا يتكون عندك المفهوم الذاتى الذى تجاوب به عن سؤال "من أنا؟" ، إذن أنت تبنى واقعك عن طريق مفهوك لذاتك ، وتقول الكاتبة "أنت الشخصية الرئيسية في قصتك وتكتب السيناريو بناءًا على مفهومك الذاتي الذي تم إنشاؤه بنفسك" . فعندما تتصرف وفقًا لما تتوقع حدوثه قبل حدوثه فعليًا ، فإنك هنا تشارك فى صنع التجربة . إذن هنا يجب تكوين مفهوم إيجابى عن الذات . أنت تشارك في خلق واقعك سواء كنت تعرفه أم لا ، لا يوجد شيء سحري . إنها طريقة عمل أدمغتنا ، فعندما تقع فى موقف وتنكر وترفض بدون أى دراية ، ستكون كالضحية التى يتم التلاعب بها . لكن بالوعى يأتى الإختيار .

لكن أين هى الاشياء التى هى خارج إدارتنا ؟ ، هى موجودة بالتأكيد ، لكن ما تتحكم به هو شعورك وتفكيرك ، وما تقوم به فى تلك الاشياء التى هى خارج إدارتك هى التى تصنع واقعك وهى نتاج شعورك وتفكيرك .

https://www.psychologytoday.com/intl/blog/living-forward/202009/how-your-thinking-creates-your-reality

تنويه : ما تحدثت به هنا ، كان إختلاف بين علماء النفس والإجتماع حول تكوين وتشكيل الواقع وهل الإنسان يتصرف بطريقة فردية أم اجتماعية وهل التأثير يكون على الفرد أم على المجتمع ، وتلك النظرة بعيدة كل البعد عن التصور الإسلامى تجاه الواقع والمجتمع والفرد ، وما عرضته كان رأى العالمة فقط .