السماء زرقاء و شاسعة تسبح فيها غيوم بعضها أبيض و الآخر أسود ، و أحيانا تتلون الغيمات بنور الشمس لترتدي حلة مختلفة مشرقة منيرة في الأفق تميل بين القرمزي و الأحمر الدموي. والبشر يشبهون الغيوم. 

"إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ" آية آمنتُ بها كثيرا و لهذا سعيتُ دائما لأصلح من نفسي و أحاول تغيير طباعي السيئة . لا أنكرُ أن لي من الصفات السلبية الكثير فكل شخص له غيمة بيضاء و أخرى سوداء تحومان في سماء روحه و لكن اللّه اصطفانا بالعقل و بالعقل أحاولُ أن أسيطر على طباعي السيئة.

"شمس" هذا اسمي ، اخترته أمي لي حتى أكون كالشمس مشرقة القلب. أنا في العشرين من العمر أعيش مع أسرتي التي أحبها كثيرا ولا أبتعد عنهم أبدا. أرتاد كلية الطب و أنا متفوقة في دراستي و أعيش بسعادة و قناعة.

عندما كنت صغيرة مرضتُ وكنت على حافة الموت و لكن روحا لطيفة أنقذتني و منذ تلك اللحظة أقسمت أن أعيش كل حياتي بسعادة و قناعة و أن أسعى لتحقيق كل أحلامي و أن وكان بالإمكان أن أنقذ روحا ما فلن أتردد. تلك الذكرى الحزينة مرت و تركت ندبة في جسدي لتذكرني بالوعد الذي قطعته لنفسي.  

بعد شفائي اشترى لي والدي صندوقا و طلب مني أن أضع لائحة بالأحلام التي أريد تحقيقها فيه حتى لا أنساهم و مع كل عام جديد كنت أعدل قائمتي بإضافة حلم أم تحقيق آخر.

في لائحة الأحلام كتبت " أغير روحا ما للأفضل" لا أعرف من هي تلك الروح التي سأغيرها و لكن آمنت دائما أن أنني إذا تصرفت بطريقة جيدة مع الناس قد ألمس قلوبهم بالحب الذي أحمله في قلبي فأغير من طباعهم الغير جيدة. كان حلما صغيرا على أية حال و لكن لم أعرف أنني سأحقق هذا الحلم بالطريقة التي رسمها الله لي.

هاهو يوم جديد بعد عطلة الربيع ، الطقس دافئ و عبير الأزهار يملأ أرجاء الحي ، استيقظت باكرا و فراشات السعادة ترفرف داخلي قلبي.

إنه يوم من الأيام التي أستيقظ فيها سعيدة بدون سبب. ارتديت فستاني المزين بزهرات وردية و أوراق خضراء و حذائي الرياضي الأبيض و قررت أن أترك شعري طليقا ليراقص النسيم اللطيف. كان أمي قد أعدت لي الفطور، رائحة القهوة و كعك والدتي يزيدان من نسبة سعادتي .بعد الفطور اتصلت بصديقتي "ريم" لنذهب سوية للجامعة.

قطعنا تذكرتا القطار واخترت مقعدا بجانب النافذة. نعم، أعشق المقعد جانب النافذة و لو سألتني عن تفاصيل الطريق سأصفهم لك وصفا دقيقا . مراقبة الناس و هي تعمل و السكان و هم يمارسون طقوسهم الصباحية من نافذة القطار سحر لا أقدر على استبداله بأي شيء. الشعور بالحياة تدب في قلوب الناس و بشغفهم كان سر الدهشة التي تبقيني متفائلة و مبتسمة طوال الوقت.

-ما السر أمام ابتسامتك التي لا تفارق ثغرك اليوم يا فتاة؟ سألتني ريم

-لا أعرف. لقد استيقظت سعيدة ومقبلة على الحياة أكثر من العادة يبدو أن هرموناتي يقمن حفلة ما اليوم

-أو ربما قلبك سعيد لأنه سيجدك نصفه الآخر المفقود قريبا اه؟

-أتظنين أن قلبي يستشعر الحب قبل وقوعه

-أنت أكثر شخص يستحق الحب و لا أدري ماذا أنت الوحيدة في مجوعة أصحابنا الغير مرتبطة.

-أنتظر الروح التائهة التي تشبه روح و أعلم يقينا أنه سيجدني قريبا... أتمنى أن يفعل..

بعد بضع محطات امتلأ القطار و هو أمر متوقع الحدوث خصوصا مع بداية الأسبوع. كان بجانبنا امرأة مسنة فقررت صديقتي ريم أن تعطيها مقعدها و بقيت هي واقفة. صارت العجوز تحدثنا عن الزمن القديم و الأدب الذي بات يغيب كثيرا عن الأجيال الصغيرة.

و في تلك اللحظات لمحته. شاب في مقتبل العمر يرتدي نظرات طبية ثيابه مرتبة يحمل حقيبة ظهر و رائحة عطره قوية جدّا أما نظراته فكانت مترتبكة.

هل حدث أن رأيتهم شخصا غريبا و شعرتم أنه مألوف ؟ هل حدث أن تبادلتما النظرات أنت و شخص لا تعرفه و لكنه ليس غريبا عن روحك بطريقة أو بأخرى ؟

يتوقف الزمن و وضيب القلب يصبح هادئا ..

هل ما أشعر به الآن déjà-vu أم أن روحي تعرف روحه ؟

أيقظتني ريم من غيبوبتي عندما قالت :

-هاي انك تفترسين الشاب بنظراتك

-أشعر كأنني أعرفه و لكنني متأكدة أني لم أراه من قبل

ضحكنا ثم عدنا للحديث مع المرأة المسنة الجالسة بجانبي.

بعد بضع دقائق عدتُ أبحث عن الشاب الغريب بنظراتي و لكن ما لمحته صدمني. كان يحاول سرقة هاتف ريم الذي وضعته في جيب معطفها باستهتار كعادتها.

حاولت أن أنبه صديقتي دون أن أثير المتاعب 

-ريم اقتربي مني قليلا أريدك أن أطلعك على أمر ما في هاتفي

لكن حينها شعرت ريم بيد الغريب تقترب من معطفها فصرخت في وجهه :

- ماذا تفعل يا هذا ؟ أتحاول سرقتي ؟ يا إلهي أتريد سرقتي هكذا أمام الناس و في وضح النهار؟

- هل جننت ؟ كلا أنا لا أحاول سرقتك ..

ثم التفت للناس الذي تجمعوا حولنا و أردف مرتبكا:

-إنها تحاول الإيقاع بي صدقوني

لكن ريم لم تسكت و صارت تصرخ في وجهه مهددة إياه.

-ريم أرجوك اهدئي لقد كنتُ أنظرُ إليك و لو كان يحاول سرقتك لكنت انتبهتُ له. اقتربت محطة نزولنا على أية حال

-لا تقولي لي أن اهدأ  يا شمس أنا أكيدة أنه كان يحاول سرقتي .. هل تحاول سرقة فتاة ؟ هل هذه أخلاق ؟ ماذا لو كنت لا أملك المال لشراء هاتف جديد؟ انت ناضج اذهب و ابحث عن عمل بدل السرقة .. آه صحيح من يرفض اللقمة السهلة .. مجرد فاشل

ريم صديقتي تكره الظلم كثيرا و تحب مساعدة الغير و تكره أن يتعدى شخص ما على حقها و رغم أنها ترعرعت بدلال وسط عائلتها الثرية إلا أنها كانت تحب الاعتماد على نفسها.

و حين حاول ذاك الغريب سرقتها غضبت و لم تهدأ إلا حين نزلنا من القطار. عندما كنت أهم بالنزول نظرت للغريب الذي كنت أعرف بيني و بين نفسي أنه كان فعلا يفكر بسرقة صديقتي ،عيناه كانت تروي خجله و شعوره بالندم. ربما أنا وودت ُكثيرا أن أفسر حزن نظراته بالأسف.

مرّ على الحاثة أيام وفتى القطار لايغيب عن تفكيري . من هو ؟ لماذا شعرت أنه مألوف بالرغم من أنه غريب عني و لماذا دافعت عنه و قلت أنه لم يسرق ..أفكار كثيرة طوّقت عقلي طيلة هذه الأيام 

استيقظت صباح الأحد لأتصل بريم و اتفقنا أن نزور الخالة ورود بالمستشفى.

بعد ساعة و نصف التقينا. اعتدت أن أذهب للمستشفى في أوقات فراغي لأعتني بكبار السن. أخبز بعض الكعك و أشتري بعض الغلال و رغم بساطة ما أقدمه لهم كانوا يشعرون بالفرح و يغدقون عليّ بالدعوات و الأحضان و هكذا كفيلا بتجديد طاقتي و إسعادي.

 بعد مرضي اعتقدت عائلتي أني لن أبلغ العشرين أبدا و كان الطبيب يخبرهم أن يستعدوا لأي خبر سيء بخصوصي. ولدتُ بقلب ضعيف و لكن جسدي قوي و قد تغلب على مرضي عندما تبرع لي شخص ما بقلبه. 

. أتذكر الأيام التي أمضيتها وحيدة حزينة بين جدران المشافي كم كنتُ سأسعد وقتها لو زارني شخص غريب لا يرمقني بنظرات عائلتي المكسرة و الحزينة و يحاول أن يملأ وقتي و لو قليلا. لهذا منذ فترة قررت زيارة المرضى كلما سمحت لي الفرصة و أن أبذل جهدي لأرسم البسمة على وجهي غيري،  فألوان الفرح التي نزين بها حياة غيرنا تجعل قلوبنا كقوس قزح و تصبح حياتنا ذات معنى.

خلال زيارتي المتكررة للمستشفى تعرفت على الخالة ورود . إنها تعاني من ضغط الدم الذي يرتفع فجأة لتجد نفسها في غرفة المستشفى و لأنها رزقت بابن واحد و هو يكمل تعليمه بالخارج كانت جارتها فقط من تعتني بها لهذا دأبنا أنا و ريم على زيارتها كلما استطعنا . الخالة ورود تغدق علينا بقصصها المضحكة و ملخصات دروسها من الحياة و نصائحها الذهبية.

ما أن دخلنا للغرفة حتى صرخت الخالة الورود فرحا: 

-يا الله صغيراتي هنا لزيارتي يالا سعادتي

-كيف حالك خالة ورود هل صحتك بخير؟ سألتها ريم

-عند رأيتكما صرت أفضل الحمد لله. ترى ما هو الخير الذي فعلته حتى تعرفت عليكما .. كيف حالكما؟

-أنا بأفضل حالاتي فقط مشتاقة لك و لأحاديثك ، أجابتُهَا 

-خالتي أوصتني شمس أن لا أحكي لك هذا و أن لا أبدأ بالشكوى و لكني لن أصبر لو تعرفي ماذا حصل معي بالأمس .. شاب غبي حاول سرقة هاتفي لكني لقنته درسا لن ينساه قريبا

-اه منك يا ريم .. الأمر لا يستحق ردة فعلك هذه .. خالتي إليك الخبر الأهم سيأتي فؤاد من فرنسا الشهر القادم من أجل خطوبته بريم

-حقا .. ريم أسعدك الله يا فتاتي الجميلة بإذن الله سأكون حاضرة في خطوبتك. لا تسمحي لأي شيء أن يعكر مزاجك و فرحك

-نحن لا نعرف إن كان هذا الشاب يقوم بسرقتك فعلا  فالقطار كان مزدحما وقتها

حينها رن هاتفها وعندما كانت تهم بالخروج لترد على الهاتف التفتت لي و ردت :

-شمس أمرك غريب حقا .طيبتك هذه يا صديقتي ستوقعك في متاعب كثير.

-خالتي ورود أحدث أن نظرتي لغريب ما في الطريق و شعرتي أنك بطريقة أو بأخرى تعريفنه منذ زمن

-كيف هذا ؟

-لا أدري لكن الشاب الذي تتهمه ريم بالسرقة التقت عيناي بعيناه و لوهلة شعرت أني أعرفه ملامحه ليست غريبة عني و أنا أكيدة أني لم أراه من قبل. لا أعرف كيف أفسر شعوري

-شمس يا جميلتي للقلب قوانينه التي نجهلها بعض النظرات و الأحاسيس غير قابلة للتفسير فقط للشعور بها و أحيانا تميل الذات إلى تخيل أشياء واهية و تحللها على أنها وقائع خارقة

-أيعني هذا أنني أتخيل؟ أهي الوحدة التي يشعر بها قلبي التي تدفعني للتحليل الأمور هكذا ؟

-ربما فالوحدة خطيرة و أنا جربتها كثيرا .. أو ربما بينك و بينه وصال خفي ..دعي الأمر للوقت

عندما انتهت زيارتنا للمستشفى عادت ريم مع والدها بالسيارة و قررت أنا أن أتمشى قليلا توجهت لمركز المدينة لشراء مع الحاجيات التي طلبتها أمي و هناك لمحته مرة أخرى فتى القطار -السارق-.

-يتبع-

القسم الثاني

القسم الثالث