القسم الأول

بعد بضع الأمتار من المستشفى رأيت ذاك الغريب مجددا كان يهم بعبور الطريق عندما لمحني هو أيضا. ارتبكت و تسمرت في مكاني كأنني مخدرة أو كأن نظراته التي يرمقني بها تنومني مغناطسيا ، نظارته تجذبني نحو كأن لا أحد في المكان غيرنا كأنه صار مركز الوجود و كل شيء يحوم حوله لا أهمية له.الأمر يشبه الجاذبية. قدماي بالكاد تحملني و الهواجس تملكتني فجأة .. ماذا لو كان سارقا حقًّا و هو الآن قادم لينتقم من الفضيحة التي سببتها له ريم في القطار ؟ ماذا لو حاول سرقتي و أنا أحمل مال الخالة ورود لأشتري لها الدواء. قلبي ينبض بسرعة و خدي يشتعل احمرارا .. عاصفة الهواجس جعلت يداي ترتجف و رغم الهواجس فإني لم أكن خائفة كما يخاف المسروق من السارق عادةً.

خطواته تتجه نحوي و قلبي يزداد وضيبه سرعة .اقترب مني و قال:

-مرحبا

تجاهلته و غيرت وجهة نظري بعيدا عنه و لكنه أضاف:

-لا أقصدك إزعاجك و اللّه و لكني أردت أن أقول شكرا لك و أنا آسف

-على ماذا ؟ أجبتُهُ أخيرا

-أعلم أنك رأيتني أحاول سرقة صديقتك و رغم هذا قمت بحمايتي ، أجابني

إذًا فهو فعلا سارق و أنا كالغبية صدقتُ قلبي و حاولت أن أبرر لهذا الغريب- الذي لا أعرف حتى اسمه -موقفه أمام صديقتي. أحسنت يا شمس أحسنت على هذا الغباء. ثم نظرت له و كلّي غضب –الغضب الذي تشعر به تُجاه شخص يعني لك الكثير – و قلت محاولة مواراة خيبتي :

-و لماذا تتأسف لي ؟ صديقتي أحق بهذا الاعتذار

-أعلم و لكن .... لا أدري و لكني شعرت من نظراتك لي وقتها أنك غاضبة مني

-أنا لا أعرفك فلماذا قد أغضب منك . فلتكن منطقيًّا.

-أنت لا تعرفيني ورغم هذا حاولت حمايتي.

-كنت أحمي صديقتي . صدقا أنت لا تعرف مدى خطورتها حين تغضب.

-حسنا أنا آسف على أية حال.. شعرت برغبة لمحة في الاعتذار لم أشعر بالراحة منذ تلك الحادثة و كنتُ أفكر بنظراتك لي و فسرتها على أنها غضب .. شعرت أني أدين لك باعتذار مثلما شعرت من نظراتنا أنك لست غريبة عني كأنني أعرفك من قبل.

"مهلا لحظة إنه يهتم إن كنت غاضبة منه أو لا و هو يشعر بالندم آه .. حسنا يا قلبي لا تنبض بهذه السرعة قد تفضحنا أمامه. يا اللّه هو أيضا شعر بنفس شعوري البارحة .. شعور غريب و لكن لذيذ أليس كذلك يا قلبي " حدثتُ نفسي ثم أردفتُ- محاولة أن أنقذنا من الصمت المخيم و بشدة أردت لحديثنا ألّا ينتهي- :

-أنك تبدو لي شابا  مثقفا فما الذي يدفعك للسرقة؟ أ هو مرض ما ؟

-ربما هو مرض

-كيف ؟

-اسمحي لي أن أصلك لبيتك و سأخبرك حكايتي حتى لا تتأخري.

-اه حقا هل أبدو كغبية تثق في غريب رأيته يحاول سرقة صديقتي

- ألا يبدو أنني أحاول كسب ثقتك...

-إذا أخبرني الآن

-هل ستصدقنني ؟

-سأحاول

-فقدت أمي منذ أعوام ،كنت شديد التعلق بها كانت محور حياتي و صديقتي و سبب ابتسامتي و حافزي لأكون شخصا ناجحا في حياتي. ثم فقدها في حادث منذ مدة و بعدها تغير كل شيء في حياتي . انهارت عائلتي ، صار والدي يقضي معظم وقته في العمل و عندما نجتمع على طاولة العشاء لا نتحدث أبدا ، أصبح شخصا حزينا كأن لون الفرح اختفى من حياته.

صمت قليلا ليستجمع نفسه ثم أضاف:

-أمي كانت السبب وراء السعادة و الخير في البيت و بعد رحيلها تشتتنا اكتشفت أن نورها كان يضيء بيتنا و قلوبنا و الآن نحن نعيش في عتمة. أسوء ما في عتمتي أن والدي لم يعد يهمه أمري اعتقدت مرات كثيرة أنني لو تورطت في أمر سيء قد أجلب انتباهه ، لعله حينها سيشعر أنه على وشك خسارتي و قد يستفيق من غيبوبته، لكن عبثا كل محاولاتي لم تحرك فيه ساكنا ، أمسكت بي الشرطة مرتين و لكن والدي كان يدفع كفالتي خاصة أن كل أعوان الشرطة يعلمون حالتنا.

كنتُ أستمع عليه و عيناي تتفحصان وجهه ربما اكتشف أنه يكذب و كلي رجاء أن يكون صادقًا ، مهما أجدنا الكذب فملامحنا تفضحنا و لكن صوت ما داخلي كان يقول أنه صادق و أنه بحاجة للمساعدة. نظراته بها حزن عميق و دمعته تقف على حافة رموشه على وشك السقوط.

-لا أدري لماذا وثقت بك حتى أطلعك على تفاصيل حياتي الخاصة و لكن منذ رأيتك في القطار شعرت بجاذبية غريبة نحوك ، إحساس لم يسبق لي أن أحسسته. ربما أنا أتفلسف و كل ما في الأمر أني أردت أن أزيح همي من على قلبي و أردت أن أبوح بحزني لأي شخص لا يعرفني . أتفهم إن لم تثقي بي فحتى أنا لم أعد أثق في نفسي و تصرفاتي.

-ماذا عن دراستك؟

-تركتها العام الماضي

-أتدري ؟ كل ما في الأمر أنك شخص ضعيف و محب للدراما. أتفهم حزنك بسبب خسارة والدتك و لكن ألم تفكر في الحزن الذي تسببه أنت لوالدك بجانب حزنه لخسرته زوجته ؟ لقد خسر رفيقة عمره و من حقه أن يحزن كلكما تحتاجان لبعض و لكن بتصرفاتك هذه تبدو لي شخصا أنانيا . لقد خسرت أمك و دراستك و احترام الناس لك و أحزنت والدك و الأهم أنك تخليت عن نفسك.

-الكلام قد يبدو سهلا عندما تكونين مجرد مستمعة لقصة حزينة. هل أمك على قيد الحياة ؟

-أجل.

-إذا إنه من السهل أن تتحدثي عندما تكوني مجرد مستمعة لألم الآخر. شعور الفقدان قاتل كالسم الذي يسري رويدا رويدا في الدم. حفظ الله لك أسرتك.

صمت و أشاح بنظره بعيدا عني ثم رفع عيناه للسماء نظر للأعلى مطولا كأنه يناجي الله ثم نظر للأسفل و وضع يداه في جيب سرواله و تنهد. ربما دعا الله أن لا تخذله دموعه أمام الغريبة التي حدثها عن حزنه العميق و هو بالكاد يعرف اسمها.

حينها أدركت أنه بحاجة لمن ينتشله من حزنه و أن يقتلعه من الأرض الكئيبة التي غرستهُ فيها الحياة.

قلتُ:

-ما أدراك أني لم أمر بأوقات تعيسة في حياتي. كلنا نمر بأوقات نعرف فيها مرارة الفقدان لست الوحيد الذي خسر أمه في هذا الكون. إن الطريق التي اتخذتها لتعبر بها عن حزنك خاطئة لن تجلب انتباه والدك هكذا بل أنت تجلب المتاعب لكما . ارجوك افتح عيناك و أنقذ نفسك.

نظر لي كأنه طفل صغير ضائع لا يعرف طريق العودة للبيت و قلبي لحظتها اعتصر ألما على حاله و لكني أدركتُ أني تأخرت فأضفت مودعة :

-لقد تأخرت يجب أن أعود للبيت و أتمنى أن تأخذ بنصيحتي و أن تستعيد حياتك و سعادة والدك

-هل يمكنني أن آخذ رقمك؟ بعد صمت مريب أضاف ، لأعلمك إن عملتُ بنصيحتك

-حسنا.

عدت للبيت يومها و أنا راضية عن نفسي و مستغربة من ثقتي في هذا الغريب الذي بالكاد أعرفه ثم تذكرت أمرا آخر ، يا الله أنا بالكاد أعرف اسمه و قد أعطيته رقم هاتفي. منذ متى صرت جريئة لهذه الدرجة يا شمس ؟ هل تحكم فيك قلبك لهذه الدرجة؟

قررت أن لا أخبر صديقتي ريم عن الحوار الذي دار بيننا لأني كنت أعرف أنها ستوبخني قائلة أني أثق بسهولة في الناس و أن طيبتي ستكون سبب تعاستي و لكني كنت مرتاحة البال و هذا أهم الآن.

مرت الأيام بعدها دون أن يتصل بي الغريب الذي لا أعرف اسمه حتى أني تيقنت أنه نسى أمري و كلامي و عاد لأعماله السيئة. في تلك الفترة أمضيت أوقاتا كثيرة أفكر في كلامه، تدمرت عائلة بأكملها بمجرد خسارة الأم .

زاد يقيني حينها أن الأم نور البيت و أمانها ، رائحتها تجلب السكينة و في غيابها يتوه بقية أفراد الأسرة. الأم بوصلة القلب فعلاً.

ألم فقدان شخص تحبه يشبه ألم شخص بترت أطرافه ، برغم من انعدام وجودها يشعر دائما أن أطرافه مازالت في مكانها و تؤدي وظيفتها بطريقة عادية و يحتاج الاعتياد إلى فترة طويلة من التأقلم . يحتاج محاربة الحزن إلى كثير من الصبر و المحبة و شعور بالأمان و الاهتمام. و ذاك الغريب الذي أجهل اسمه يحتاج للاهتمام و الأمان و الصبر تماما كوالده.

بعد شهر كنت في مقهى الجامعة عندما وصلتني رسالة منه "مرحبا أنا غيث الشاب الذي قابلته في القطار و حاول سرقة رفيقتك. أكتب لك هذه الرسالة من أمام مكتب مدير جامعتي لقد وافقوا على عودتي للدراسة و إن نجحت سأتخرج هذه السنة و أشرع في البحث عن عمل . أردت أن أدعوك إلى المقهى المقابل للمستشفى حيث التقينا لأشكرك. ملاحظة : آسف لأني تأخرت حتى أشكرك فقط أردت جعلك ترين نتائج ثقتك بي "

-يتبع- 

القسم الثالث