القسم الأول 

القسم الثاني

بدأ قلبي في الخفقان ما أن قرأت رسالته و أخذت أبتسم للهاتف و لو لم أكن في مكان عام لقفزت من السعادة و لرقصت على موسيقى قلبي السعيد . أجل، لقد كنت أنتظر رسالته بفارغ الصبر ربما أكون قد كذبت على نفسي في الفترة الأخيرة و قلت أني لا أهتم بهذا الغريب و لكني فعلا أهتم و كثيرا و لا أعرف لماذا لكن هذا الشعور يعجبني و يبهجني بشدة. ما الضير في أن أركض خلف قلبي و أترك زمام الأمور له؟

قاطعت صديقتي ريم حالة السعادة التي دخلت فيها قائلة : ما الذي يحدث معك لماذا تمسكين الهاتف بقوة كأن أحدهم سيسرقه و ما هذه النظرة و الابتسامة الغريبة ها ..ماذا تخفين عني ؟

-لا شيء فقط وصلني اشعار أن حلقة جديدة من مسلسلي نزلت على اليوتيوب منذ قليل.

بدا من نظراتها أنها لم تصدقني و كانت هذه أول مرة أخفي فيها أمرا ما عن صديقتي المقرية.

عندما كنت عائدة لبيتي كررت قراءة رسالته عشرات المرات بنفس اللهفة و نفس الفرحة ثم سجلت رقمه على هاتفي. "غيث" اسمه غيث وأخيرا عرفت اسمه و كم راق لي. هو غيث وأنا شمس يا لها من صدفة غريبة و مضحكة لكني أحببتها. ثم أرسلت له ردا قلت أني موافقة و بعدها حددنا موعد اللقاء آخر الأسبوع.

يوم الأحد استيقظت باكرا ، كان الطقس دافئا و الهواء منعش و عصفور صغير رأى انعكاس صورته على نافذة غرفتي فأخذ ينقرها كأنه يتسأل عن هوية توأمه ، و بسبب صون نقراته استفقت باكرا. ارتديت ثوبي الأزرق فاتح اللون المزين بالزهرات و وضعت قليل من مستحضرات التجميل و خرجت.

أرسلت له رسالة لأعلمه بوصولي فقال أنه يجلس بجانب النافذة الثالثة في المقهى. ما أن دخلت حتى لوّح لي بيده، كان يرتدي قميصا أزرق وقبعة رياضية زرقاء و سروال جينز و حذاء أبيض. ما هذه الصدفة إننا نرتدي نفس الألوان تقريبا؟

أهي صدف الحب التي لطالما قرأتها عنها يا ترى؟ "اه يا الله ..لا لا غير صحيح ما الذي أتفوه به عن أي حب أتحدث ؟إنها مجرد صدفة." لحسن الحظ أنه قطع حديثي المربك مع نفسي قائلا:

-قهوة أو عصير؟

-عصير

-أنا سعيد جدا لأنك هنا .. توقعت أن سترفضين اللقاء بي

-يبدو ان تصرفاتي باتت غير متوقعة هذه الفترة. ساعدتك في القطار و تحدثت معك في الشارع و أنا بالكاد أعرف اسمك و أعطيتك رقمي و ها نحن هنا الآن.

-حسنا إذا سعيد لكوني الاستثناء ولأن تصرفاتك غير متوقعة معي

-حسنا لقد احمر وجهي خجلا .. هذا فعلا محرج

ضحكنا و بعدها دخلنا في صمت غير مريح لبضع دقائق إلى أن قدم النادل رفقة عصيري و قهوته فكسر هو الصمت قائلا:

-بعد حديثنا الأخير بقيت في غرفتي أراجع نفسي و تصرفاتي .كنت أقود نفسي للهاوية بملأ إرادتي. خسرت مستقبلي و نظرة الناس المحترمة لي كنت مخطئا بكل ما فعلته في السنوات الأخيرة و أكيد أن روح أمي لم تكن مرتاحة.

-ماذا عن والدك ؟

-تحدثت معه ذات ليلة أخبرته عن كل ما أشعر به أخبرته أننا نحتاج بعضنا البعض و أني أريده أن يتماسك حتى أتماسك أنا أيضا و بعد حديث مطول انتهى بعناق بدأت علاقتنا تتحسن

-أسعدني هذا حقا من الجيد أنك تحدثت معه. و ماذا عن عودتك للجامعة ؟

-ليلتها أخبرني والدي أنه يريدني أن أنهي دراستي و بعدها بأيام تدبرت موعدا مع أستاذي في الجامعة أخبرته بكل ما جرى معي و طلبت منه أن يساعدني حتى أعود للدراسة و بعدها قابلنا أنا و هو مدير الجامعة و شرحتُ له أسباب تركي للدراسة بالرغم من أن تفاصيل دخول للسجن و أفعالي السيئة صعبت إقناعه إلا أن أستاذي طلب منه منحي فرصة لأثبت جدارتي.

-هذا حقا خبر مفرح

-لهذا انتظرت كل هذه الفترة حتى أعلمك بهذا الخبر و أشكرك

-لكني لم أفعل أي شيء أنت تبدو شخصا جيدا كل ما في الأمر أنك كنت بحاجة لدفعة صغيرة حتى ترى ما خسرته بسبب حزنك

-و كنت أنت من دفعني هذه الدفعة . شكرا من أعماق قلبي لأنك آمني أني شخص جيد أحيانا نحتاج بعض الإيمان حتى نتقدم أول خطواتنا. و أحيانا نحتاج شخصا ينظر لنا بقلبه لا بعقله ليرى الخير المختبئ فينا تماما كما فعلتي معي.

-قلوبنا كالسماء مهما بدت مغيمة فإنها تشع بنور ما

-أجل نور الشمس ..كنورك أنت

ابتسمت و أخذت رشفة من عصيري حتى أخفي خجلي ثم قلت له

-لقد شعرتُ بذات شعورك يومها في القطار.. شعرت كأنني أعرفك رغم أنها أول مرة أراك فيها

-ربما هي جاذبية القلب

-ربما...

مرّ لقاءنا على أحسن ما يرام .لم أكن لأعتقد يوما ما أني سأجلس قبالة شاب غريب عرفته منذ شهر و نصف و أنا أشعر براحة لا متناهية كأنني أعرفه منذ الأزل و رغم أني كنت أعرف أن ثقتي الزائدة عن اللزوم قد تسبب لي المشاكل و لكن يبدو أن قلبي اصطفاه ليكون الاستثناء و رغبتي في التعرف عليه كانت تدفعني حتى أخرج من دائرة الأمان الخاصة بي و أنا في أعماقي أعلم أنه يستحق هذه الثقة.

كنت أؤمن دائما أن للقلب بوصلته و أنه يعرف كيف يصطفي الأشخاص و يرتب مكانتهم و يوزع عليهم الأحاسيس حسب هذه البوصلة. كان يجب أن أثق بقلبي و أن أتبعه.

غيث كان لطيفا و هادئا و أحيانا يتصرف كطفل صغير ينتظر من يمسك يداه ليعبر معه الطريق.

عائدة للبيت كنت أتذكر لقاءنا بتفاصيله و لحظاته الصغيرة مرة تلو الأخرى كأنني أدرب نفسي على حفظ سيناريو لقاءنا خشية أن أنسى ما حدث ..خشية أن تخونني ذكرتي و تهرب مني لحظة دهشة من اللحظات التي جعتنا دون قصد منّي . لحظتها اعترفت لنفسي أنني معجبة به.

الاعتراف للنفس بإحساس أنت تجهل متى و كيف نما داخلك بهذه السرعة و الغرابة هو فعلا أصعب اعتراف.

في صباح اليوم الموالي لم أذهب للجامعة بسبب بعض فحوصي الطبية الروتينية ،كنت في قاعة الانتظار عندما وصلتني رسالة منه:

"صباح الخير أتمنى أنني لا أزعجك. أعلم أن كلامي لا يبدو منطقيا و من الواضح أنك شخص لا يؤمن بالحب من النظرة الأولى و لكني فعلا أحببتك كثيرا و تأكدت من مشاعري يوم لقاءنا كم تمنيت للوقت أن يتوقف كم خانتني الدقائق التي كانت سريعة لأول مرة منذ زمن بعيد و كم تمنيت أن لا تنتهي ضحكاتك التي تشبه ضحكات أمي ..تجعلني سعيدا و مرتاحا. أعلم أني متهور و لكني أضعت سنوات كثيرة من عمري أركض وراء المتاعب و الأحزان و الآن بعد أن وجدتُك أريد أن أركض نحو النور المشع من عيناك، النور الذي ينقذني كلما تذكرته ليقودني لطريق السعادة و الحب  . أريد أن أرتاح بعد ليالي التيه. أتمنى أن تكوني نوري و راحتي و أملي و فرحي.. انتبهي لنفسك و سأنتظر ردك"

جعلت رسالته قلبي يقفز و يدي ترتعش و الدم يجري في عروقي مسرعا ليعلم عقلي أني واقعة في الحب و من أحبه يبادلني نفس الشعور. قلبي يعلن فوزه أمام كل خلية في جسمي أمام ريبتي و حيرتي.. حان وقت افراز هرمون السعادة .. المزيد و المزيد من السعادة و وددت لو قفزت و رقصت على موسيقى قلبي كما حدث مع أول رسائله لي. رغم هذا كنت أتظاهر بالهدوء لأني لست وحدي في قاعة الانتظار تحدثت مع نفسي " اهدئي لا تتصرفي كالبلهاء أنت لست وحدك اظهري بعض الرزانة" أمسكت يدا أمي التي كانت تجلس بجانبي اللتان كانتا دافئتان و يداي ترتعشان

-ما الأمر يداك تتجمدان من البرد؟

-أمي أنا واقعة في الحب

-ماذا؟

و هكذا قصصت لأمي قصة لقائي أنا و غيث ثم سألتها :

-أمي هل أخبره أنني أبادله نفس الشعور؟

-ابنتي لقد صرت راشدة الآن و قرار كهذا هو قرارك وحدك فقط اعتني بقلبك تحملي مسؤولية سعادتك ولا تنسي واجباتك كابنة و كامرأة. "شمس" صغيرتي ما يهمني الآن هو صحتك و سعادتك مازالت أتذكر تلك الأيام السوداء التي مررنا بها حين مرضت و لا اريد سوى أن أرى ضحكتك.

-أمي عملية زرع القلب خاصتي قد نجحت و الآن أنا بأفضل حال و لا أريد أن أتذر تلك الأيام و لا تقلقي لن أسمح لأحد أن يحزنني أو يجرح قلبي.

احتاج مني الأمر ليومان حتى أكتب ردي لغيث. كانت مرتي الأولى التي لا أعرف فيها ماذا أقول و كيف أعبر عن ما يختلجني من مشاعر. ذهبت إلى الحديقة العمومية الواقعة بجانب البحر و اتخذت مقعدا مقابل للأمواج مجلسا لي . بعد العصر تمتلئ هذه الحديقة بالناس و الأطفال فتسمع صراخهم وضحكاتهم البريئة في الأرجاء و صوت البحر الهادئ يعزف موسيقى السلام الأبدية و رائحته تسرق الحيرة من قلبي و تحملني لعالم آخر أكثر هدوء .صوت السفينة البعيدة التي تشق الأمواج باتجاه الميناء توقظني من رحلتي السحرية التي اختطفني إليها البحر.

التفت ألى يميني، تأملت رجلا كبيرا في السن وزوجته يمسكان يدا حفيدهما و بين الفينة و الأخرى يرفعانه عن الأرض كأنه يحلق بأجنحة هي محبة الأجداد الخالصة ثم يحط الطفل على الأرض مجددا و يركض باتجاه بائع غزل البنات فيتبادل الرجل و زوجته نظرات الفرحة و ابتسامات تقول " لقد نجحنا .. لقد أثمر حبنا هذه الأسرة و هذا الطفل المشاغب الجميل" ، ثم يضع يده على كتفها كأنه يهنئها على لقب الجد و الجدة الأكثر حظ في العالم وبعده أخبرها شيئا دفعها لضحك ضحكة خجولة كأنهما مراهقان في موعد غرامي. إنها السعادة البسيطة المتبادلة في أحلى تجلياتها.

لا شيء مؤكد في الحياة الحب الذي تختاره أنت كأنه أفضل قراراتك قد يخذلك و الحب التي تفر منه قد يكون الحب الذي سيغير مجرى حياتك و نظرتك للعالم.

نعم ، الحب هو أن تراهن بكل مشاعرك و أنت غير متأكد أنك ستُبادلُ بذات المشاعر، أن تراهن بقلبك و أنت متأكد أنه سيُكسر ألف مرة و سيلتأم ألف مرة على يد نفس الشخص .

في نهاية تحدث المعجزات لمن يؤمن بها، و أن يبادلك شخص تحبه ذات المشاعر معجزة القلب أيضا.

-يتبع-