الساعة السادسة صباحا في المطبخ،

إلى صديقي الغريب

الشمس ترسل أشعتها الذهبية متطفلة إلى داخل مطبخي .. رائحة القهوة الدافئة تمتزج برائحة زهر البرتقال في الخارج و رائحة البانكايك الساخن. على النار . أستمتع لأغنية أم كلثوم و أدندن " ازاي ازاي ازاي أوصفلك يا حبيبي ازاي قبل ما أحبك كنت ازاي "

أنا سعيدة كفراشة، تستطيع أن تلتمس هذا من كلماتي السابقة .. راودتني رغبة للكتابة لك.

مرّت خمس سنوات منذ أن كتبت لك آخر مرة. قلت أن الرسالة الأخيرة تشبه لقاءنا الأخير لم يبدو يوما كأنه لقاءنا الأخير.

لا أعرف كيف جرت الأحداث و كيف التقت قلوبنا مجددا .. لعله القدر أو لأكون أكثر وضوح ربما هي نتيجة كل المرات التي دعوة فيها الله أن يختار لي و أن لا يخيّرني أن يجبر قلبي بعد كل الآلام التي تحملها بصمت و بجسارة.

إنها لحظة تشبه ساعة السحر .. تلك اللحظة التي يبدو فيها العالم هادئا مستقرا مطمئنا للقلب.. اللحظة التي يتقبل فيها الله دعائك و يحوّلها لواقع يشبه الحلم .. و نحن –أنا و أنت – دعوة مستجابة ساعة السحر .

كنت كلما شعرت أنني غريبة عن عالمي أدعو الله " لطفا بقلبي يا اللّه .. يا الله بات صبري يحتاج للصبر حتى يواصل الثبات " كنت خائفة أن لا يسمع الله دعواتي المتكررة ..أن يحرمني رزقا لطالما دعوة ليكرمني به . و كان كرم الله أكثر مما توقعت .

صديقي الغريب .. أنت لم تعد غريبا و لا بعيدا .. حتى أن بيني و بينك ردهة و غرفة البنات ..

مرّت تلاث سنوات على زواجنا و مازالت لا أصدق أني أستيقظ كل صباح بجانبك و أننا رزقنا ببنتيْن "همسة " و " هدير" .

يخجلني الله بكرمه في كل مرة كنت أقول " يئست من هذه الأمر" .. و يعطيني حتى يرضيني .. الحمد لله على كل ما أعطاه لنا و كل ما أخذه منّا..

أخبرتُ أمي بعد شهر من زواجنا أن اجتمعنا أنا و أنت معجزة كانت درسا لي أن كل الدعوات تصل لله ،،و أن الأمنيات المنسية تتحقق بفضله و لطفه. و أن ما قدّره الله لا تستطيع الظروف كسره.

جرحتك و جرحتني ثم بخطة من الله جمعنا شتات بعضنا و حوّلنا هذا الشتات لأسرة صغيرة .

أحب كيف لا نستسلم من بعضنا .. نخطئ و نتعلم و نتشاجر و نتصالح و نتقاسم لحظات السعادة و الألم و البكاء و ننجح و نفشل معا .. أنا أحب كلمة "معا" لأنها تجعل كل الصعاب هينة و الطريقة الطويلة ممتعة ..

اليوم نحتفل بالذكرى الثالثة لزواجنا .. عندما تقرأ هذه الرسالة سأكون في العمل و ستكون أنت قد استيقظت بعد ليلة تقاسمناها نعتني بالبنات . لم أشكرك البارحة لأنك سمحت لي بالنوم و بقيت أنت ساهرا .. شكرا لأنك أب رائع لنا نحن الثلاث ، ابنتيْكَ و أنا.

أتذكر حين أخبرتنا الطبيبة أنني حامل بتوأم .. كنت سعيدة لكني بكيت خوفا وقتها أمسكت يدي و قلت " نحن معا في هذا .. ستمر كل الأوقات الصعبة و ستبقى مجرد ذكرى نضحك كلما خطرت ببالنا ". و بطريقة أو بأخرى كل الأوقات الصعبة صارت أوقات طريفة نضحك كلما ذكرناها.

سأخبرك سرا جديدا .. ذات مرة تشاجرنا لا أذكر السبب لكن أذكر أني كرهتك كثيرا و قلت لك "نحن نحتاج وقتا نتنفس فيه بعيدا عن بعضنا لهذا سأبقى في بيت أهلي فترة ".. لم تقل شيئا و في داخلي كنت أتمنى أن تمنعني من الرحيل.. 

عندما حدّثت أمي عن سبب شجارنا قالت لي :" المال رزق و البنون رزق و الحب رزق و لكن أتعرفين ما هو أهم رزق نغفل عن طلبه من الله ؟ إنه الرضا . الرضا يا ابنتي الرزق الوحيد الأبقى ا.إنه يذّلل كل الأوقات الصعبة التي نشعر فيها بالقهر أو بالنقص أو بالحزن .. الرضا بما كتبه لك الله و بما منحك و بما حرمك لأنه أدرى و أنت لا تدرين .. حين تتعمين الرضا ستعرفين كيف تكونين سعيدة مهما كان الظرف "

أنا أريد أن أتعلم الرضا معك .. مهما كانت المواقف أريد أن ننظر لبعضنا و نشعر بالرضا . أن نفتخر بأصغر انجازاتنا حتى لو كان هذا الإنجاز كوبا من القهوة أمام التلفاز بعد أن تنام البنات.

صديقي المفضل زوجي ، شكرا لأنك صديقي و طفلي و شريكي في كل اللحظات و زوجي.

لن أختم رسالتي بمعجبة و أنا أكرهك .. فأنا هذه المرة لست أهرب من مشاعري و لست خائفة منها . أنا أحبك كثيرا و أحب عطفك و تفهمك و تسامحك و رحابة صدرك و تفرغك للاستماع لأحاديثي و نصحك لي و اهتمامك بنا ..

ملاحظة : لن أكذب عليك فأنا أكرهك أحيانا حين تغضبني.

صديقتُكَ و زوجتكَ  و المرأة التي تفتخر بك دائما .

ملاحظة أخيرة : لا تنسى شراء حفاضات البنات و بعض الخضر و أنت عائد للمنزل في المساء. 

-النهاية 

الرسالة الأولى 

الرسالة الثانية

الرسالة الثالثة