وضعت رأسي على كتفه و جلسنا في صمت نتأمل البحر و السماء ينصهران في بعضهما.

-رامي

-لا تقولي شيئا يفسد هذه اللحظة أرجوك

-لكني أريد جواب

-تقصدين سبب شجاري أنا و أيسر

-و سبب تغيرك

-بالنسبة لتغيري كانت فترة طيش .. حملني طيشي لعالم مظلم و حين حاولت العودة لم يصدق أحد احتمال تغيري

-كان يجب أن تتغير لنفسك لا لغيرك

-من السهل قول هذا.. لا أدري يا نور شعرت أنني ابتعدت و طريق العودة صارت مجرد سراب ورائي .

-و الآن لقد تغيرت أنا لم أراك تقترب من الخمر و من أصحابك السيئين منذ فترة طويلة

-الآن أنت مسؤوليتي ..كلّما فكرت بالأمر أتذكر أني بذلك أدمر مستقبلك فأعدل عن فكرتي

-إذا أنت مازالت تفكر بالأمر و بعالم الفساد ذاك ؟

-هل أكذب و أقول لا ؟

صمتت و أبعدت رأسي عن كتفه و تغيرت ملامح وجهي لدرجة أني فكرت بالنهوض من جانبه و العودة لبيتي حتى أحضن خيبتي و أنام.

-ألم أقل لك لا تقولي شيئا من شأنه أن يفسد هذه اللحظة ...

لم ألتفت له و لم أرد عليه

-أيسر لم يكن مجرد صديق كان أخي كان قطعة من روحي ، الأكيد أن جميع سكان الحي كانوا يحسدوننا على صحبتنا ثم ..

-ثم ما الذي حدث ..

-أخجل من الحديث عن الموضوع دعيني لا ننبش الماضي ..

سكت قليلا إلا أن أمسكت يداه فأضاف :

-نور تعلمين أني سأعترف لك بكل أسراري حين تمسكين يدي و تنظرين لي بتلك النظرة التي ....أعشقها

-أعلم هذا .. نظراتي هي سلاحي السرّي

-ستتغير نظرتك لي و لأخي حين تعرفين

-ما حدث حدث حين كنتما في فترة القرارات السخيفة لهذا أدرك كم السخافات التي قمتما بها و لن تتغير نظرتي لكما أبدا

-إن أخبرتني عن نظرتك لي سأخبرك عن الحادثة

-لكن هذا استغلال

-لا أمانع أن أستغل المواقف لأنال القليل من المحبة منك

-حسنا .. أرى فيك الشاب اللطيف صاحب القلب الطيب رغم كل هفواته أستطيع أن أشعر بحنانك من لمسة يداك ، من اهتمامك بي و بأصغر تفاصيل بنظرتك للأشياء التي أحبها و التي قد تبدو سخيفة لغيري أنت تعتبر أسباب حزني قضية موت أو حياة كاليوم الذي أضعت فيه قلمي المفضل

-أتذكرين ذاك اليوم

-أضعت قلمي و بكيت لدرجة أثارت غضب أخي و رغم أن أبي اشترى لي قلما آخر إلا أني لم أتوقف عن البكاء ثم قلت  أنك ستبحث معي عنه و بحثنا يوما بأكمله إلى أن عثرته عليه تحت فراشي هههه

-لقد كنت مثيرة للمتاعب حقا

-كان القلم الذي أهداه لي جدي قبل موته بشهر لم يكن مجرد قلم

-لم أكن أعرف ذلك

-لكنك رغم ذلك بحثت معي أعطيت لحزني أهمية 

-أترين ..أنت تجعلنني أحب نفسي بكلامك هذا

-هيا لا تهرب من موضوعنا

-حسنا في تلك الفترة كان أيسر معجبا بفتاة معنا في الجامعة و ما لا تعلمينه أنه خجول جدا في تعامله مع البنات عكس أنا

-عكسك أنت؟ إذا أنت خبير في البنات .. كم هذا رائع يا صاحب المواهب

-نور هل هذه غيرة واضحة و صريحة أم ماذا؟

-لا تغير الموضوع يا خبير

-حسنا أخبرني عن موضوع إعجابه و طلب مني المساعدة قائلا أن نقترب منها و نصبح أصدقاء و فعلا هذا ما حدث .. نخرج للطعام فأتركهما و أنصرف بحجة مقابلة شخص ما أو نجلس معا في المحاضرة و انسحب إلى آخر القاعة .. صارحها بحبه وأصبحا يتواعدان .. ثم حدت أمر غريب  إذ أرسلت تلك البنت لي رسالة تعترف فيها بحبها لي

-ماذا ؟؟

-طبعا لم أخبر أيسر ،خشيت أن يكسر ذلك قلبه و كبريائه و يا ليتني أخبرته .. رفضت البنت قائلا أنها حبيبة صديقي المقرب و أني لا أقبل بمشاعرها لكنها لم تتوقف عن التقرّب مني ..

-ثم ماذا حدث ؟

-حسب تحليلي يبدو أنها اتفقت مع صديقتها و نصبت لنا فخا إذ أن صديقتها أخبرته أنني أحاول التقرب من حبيبته و التأثير عليها حتى تتركه

-لا أصدق

-ليس هذا فحسب بل أن هذه الحبيبة المخادعة ادّعت أن أحد أقربائها مات حين كنا في المكتبة نستعد لتقديم مشروع نعمل عليه معا و أيسر كان غائبا و إذ بها تقفز و تعانقني باكية و في تلك اللحظة بالذات دخل أيسر و يمكنك تخيّل الباقي

-كان يجب عليك إخباره بالحقيقة

-لقد فعلت عدة مرات حتى أني أريته رسالتها التي اعترفت فيها لي بحبّها و لكن رغم ذلك قال أني استغليت الموقف و استغبيته و لم أخبره

-حسنا .. أخي محق في هذه النقطة

-لو أن كان الندم يُضمد الجراح و يُنسي الأخطاء لكانت كل أخطائي ممحية و لكن ...

-ماذا حدث للفتاة ؟

-لا أدري و لكن يبدو أنها انتقلت من الجامعة أو ربما تزوجت ..

-دمرّت صحبتكما و واصلت حياتها

-لا أفهم غضبه لهذه الدرجة و لماذا واصل قوله أنني خنته رغم أني لم أقترب من تلك البنت أبدا

-ربما لأنها فضلّتك عليه و أنت لم تخبره .. يحزن المرء أي يستغفله أقرب الناس لقلبه أكثر من غيرهم و هو المسكين استغفلته حبيبة قلبه و صديق روحه ..أقصد أنه كان من واجبك حينها اطلاعه عن ما حدث و أن تترك الخيار له لا أن تقرّر أنت بدل عنه و تتركه يحاول إنجاح علاقة فاشلة

-كلامك صحيح .. هو انكسر خاطره حين لم أصارحه بما يجري و أنا انكسر خاطري حين لم يصدّقني و تشاجرنا أمام الناس فقط بسبب بنت

-غضبنا ممن نحب يكون عادة بسبب مشاعرنا نحوهم لا بسبب أصل الشجار . ضع نفسك مكانه

-كلامك صحيح.. و في تك الفترة ظهرت معادن أصحابنا .. لم يحاول أحد منهم أن يصلح بيننا بل بالعكس وجدوا في تلك الفجوة نقطة قوة لصالحهم

-صدّقني بعد عدة تجارب فاشلة خرجت بخلاصة أنه إن لم تحاول أنت إصلاح نفسك و علاقاتك و تفكيرك لن يندخل أحد بها إلا بعض الإستثناءات الذين مازالت قلوبهم نقية و و يحبون الخير لأنفسهم و غيرهم .

-و أنت هذا الإستثناء في حياتي

-أرجو أن أترك أثرا طيبا في قلبك

-أنت لن تتركي فيه أثرا لأنك أنت قلبي

أحب غزل رامي ..كلماته تجعل لقلبي أجنحة و تشعرني بسعادة غامرة .. إحداهن قلت لي ذات مرة "نحن النساء نحب الاهتمام حتى لو كان من الشخص الخطأ .. حتى لو لم نبادلهم شعور الحب" و كلامها لم يكن منطقيا حينها لكنه صار ذو دلالة في كل مرّة أكون برفقة رامي. هل هو الشخص الخطأ ؟ لا أدري إذ أن فوضى العالم تختفي حين أكون برفقته ، هل أبادله نفس المشاعر ؟ ربما نعم أو ربما ما أشعر به هو مجرد فوضى مشاعر تصيبني بها عيناه و ضحكته.

حينما كنت عائدة معه للبيت كنا نستمع للموسيقى لأغنيتنا المفضلة ، أليس لكل حبيبين أغنية مفضلة ، أغنية ملحم بركات "جيت بوقتك" أصبحت يومها أغنيتنا ..

"دخيلك شو عملت بقلبي .. يلي حبّك غير عمري .. و نسم بقلبي هواك" يغني و يداه تعانق الهواء خارج نافذة السيارة و صوته يعانق السعادة كطفل صغير.

لحظة سحرية نتشاركها على موسيقى جميلة ، الشمس تقبّل خدودنا و الهواء يمسح الأسى من قلوبنا ..

لحظة كلطف الفجر و كقطرات الندى و كرائحة الجوري .. لحظة كانصهار البحر و السماء لحظة الغروب. لحظة تمنيّت أن تدوم العمر كلّها ، كأن يتوقف العمر و نضحك بوجوه بعضننا زاهدين في كل الصعاب و الامتحانات التي تنتظرنا .

"يلي حبك غيرك عمري.. حبك أنت غيّر حالي" يغني و يبعثرني بنظراته و لأول مرة لا أشعر بالخجل أقصد لا أشعر بالرغبة في الهروب بنظراتي بل بالعكس أريد أن أحفظ تفاصيل وجهه ..و تفاصيل اللحظة ..أريد للزمن أي يتوقف برهة و أنا أتأمل وجه حبيبي.. أريد في هذه اللحظة المقدّسة أن أخبر العالم كلّه أني واقعة في الحب .. رغم أخطائه و ذنوبه أحبه ،رغم ندوب روحه و هفواته أحبه رغم أني راهنت على مستقبلي وجدت في قربه مستقبلا آخر و أنا أحب هذا المستقبل و أحب صفاته و أحب ملامحه و أحب لهذه الحظة أن تكون سرمديّة. لم أخبره بعد أني أحبه لكن نظراتي تخبره و ضحكتي تخبره و حالة النشوة التي أعيشها هذه اللحظة تخبره أني أحبه و أن حبّه مثلما قال ملحم بركات غيّر حالتي و عمري و أنه صار بقلبي و عمري و روحي قريب..

-عدني أن تدوم هذه الطمـأنينة مهما عشنا من صعاب و من الآلام ..

-أعدك أني سأقف أمام كل هذه الصعاب و الآلام من أجلنا و أن سعادة قلبك وجهتي و مقصدي

-ماذا لو كان هذا اليوم مجرد حلم ؟ أنا لا أريد الاستقاظ ..أريد أن تكون الطريق للبيت طويلة و لا أريد لليل أن يأتي

-لو كانت هذه اللحظات حلم إذا سنعيش الحلم .. حتى و نحن مستيقظون

احتاج الامر لبعض الدقائق حتى ندرك أننا فعلا في حلم و أننا لا نحتاج لفتح أعيننا لنستيقظ منه بل لرنة هاتف  شأنها أن تقلب حياتنا رأسا على عقب.

-يتبع-

أغنية ملحم بركات الساحرة : الرابط