الجزء1

الجزء2

الجزء3

الجزء4

اتصلت بنا أخته تخبره أن والده تعرّض للسرقة و في محاولة لحماية ممتلكاته تعرّض للطعن و نقل أثرها للمستشفى ..

تمنيت أن يكون الطريق لبيت طويل و تحققت أمنيتي لأننا ذاهبون للمشفى قبل المرور بالبيت ..طريق أطول و سعادة تنضب..

ارتبك رامي و أخذ يقود بسرعة انتهت الأغنية و لم أسمع صوته بعدها أسأله إن كان بخير فلا يجيب ، يداه ترتعشان و نظراته تغيرت من السعادة إلى الحزن.

السعادة –في تلك اللحظة – بدت كغيمة في السماء ، يكون المرء سعيدا و يمشي متبخترا على تلك الغيمة زاهدا فيما سيأتي ناسيا آلام مضت إلى أن يستفيق بخبر يكسره فيقع من تلك الغيمة من أعلى السماء نحو الأرض يرتطم بالواقع تتكسر ضلوع صدره فينقبض قلبه داخله و يضيق نفسه ناهيك عن ندوب الوقوع التي ترتسم على محياه و روحه.

رامي لحظتها وقع من فوق الغيمة و انكسر و لم أعرف إن كنت سأستطيع إصلاح ما انكسر فيه أو أن كان قلبه سيرفرف خارج قفصه الصدري في السماء بين الغيمات مجددا .

وصلنا للمستشفى ركض نحو قاعة العمليات، وجدنا أمه منهارة و أخوته حولها يبكون وقع رامي على ركبتيه أمام أمه لم يقوى على الكلام بالأحرى كان خائفا من الإجابة

-أمي .. أبي .. أبي .. كيف ... هو ... أبي

-لم يخرج الطبيب من قاعة العمليات بعد

-سيكون بخير لا تخافي أنا هنا

أما أنا فكنت أرتعش من خوفي لم أعرف كيف سأتصرف أردت أن أعانق رامي أن أحميه من ألمه و حزنه لكن لم أقدر وفقت بدون حراك أتأمل الأسرة منهارة واجمة أمام عاصفة قوية.

خرج الطبيب بعد ساعات بدت كدهور ، أخبرنا أن الطعنة ضرّت أعضائه و أنه إن تجاوز مرحلة الخطر قد يعيش مع أمراض و آلام كثيرة .. طلب منا أن نتضرع لله و نطلب له اللطف.

لم تمر تلك الليلة على ما يرام ، إذ فقدناه مع أول ساعات الفجر.

نزل الخبر كالصاعقة على الأسرة ، الأبناء لا يكفون عن النحيب و الأم انتفخت عيناها من البكاء كل الحي تأثر بموته حتى الطيور لم تزقزق يومها كعادتها من الحزن و السماء لبست رداء أسودا .

في تلك الأثناء وقف رامي بصمود، قام بمراسم الدفن كما يجب على الابن الأكبر أن يتصرّف ، لم أراه يبكي و هذا ما زاد من حزني ..

أن يكتم المرء شعوره أسوء من أن يعبر عنه إن ذلك يجعل قلبك أثقل و الحزن يتضخم مع الوقت ليصبح وحشا يتربص به إلا أن يفيض الشعور و لا يعرف كيف يتحكم بحزنه بعد ذلك.

عثرت عليه أمام باب المطبخ يتفقد أمور العشاء .

-رامي هل يمكن أن أتحدث معك قليلا

-نور ليس الآن أرجوك

-لا يجب أن نتحدث

-نور لست في مزاج للعناد أو حتى الحديث لا تصرّي لطفا

-أنت لست بخير أرجوك .. يجب أن تخرج حزنك من داخل قلبك لا تكتمه ليس من العيب أن تضعف

-سنلتقي مرة أخرى عندما أكون أقل انشغالا و نتحدث اتفقنا

كان يهرب مني بنظراته قبل كلماته ..لم يكن هناك فائدة للحديث معه وقتها تقدم بضع خطوات ثم توقف و استدار عائدا نحوي و فجأة عانقني و بكى بحرقة ..استطيع الشعور بدموعه تنزل على رقبتي تحرقني من الألم ، يرتجف في حضني منهارا بعد دقيقتين ابتعد عني و مسح دموعه  منكسرا خجلا مرتجفا و قال " لن أسامح من تسبب في موته و لو كلّفني ذلك حرّيتي " و اتجه نحو الخارج

خفت من كلماته "رامي أنت لن تفعل أي شيء غير قانوني رجاء لا تتركني في حيرة "

"لقد انكسر ظهري و النار التي في قلبي لن يخمدها أي شيء"

اكتفى بهذه الكلمات التي قالها دون النظر إليّ حتى. كنت أعرف أن ناره لن يخمدها أي شيء حتى حبي لن يخمدها . أسرعت إلى أخي أرجوه أن لا يترك رامي وحده لأنه يفكر بارتكاب أمر ما.

مرّ أسبوع على وفاة والد رامي ، خلاله لم يسمح لي بالاقتراب منه أو حتى الحديث معه كنا نكتفي بالحوار المبتذل كيف حالك بخير و انت بخير أني مشغول أحدّثك لاحقا ..

زرت المقبرة معه عدة مرات كان يصمت لكن عيناه تبكي ..تصرخ حزنا و ألما. لم أراه يضحك أو حتى يبتسم إلا قليلا صار قاسيا يصدني و يحرمني حتى من سماع صوته.

توترت علاقتنا و طلب من أبي تأجيل موعد الزفاف إلى أن تتقبل الأسرة وفاة رب بيتها و تسترجع بهجتها قليلا. في المقابل تحسنت علاقة أخي أيسر برامي صار لا يفترقان تماما كالأيام الخوالي.

بحث رامي كثيرا عن الأشخاص الذي تسببوا في مقتل والده لكن الأبحاث لم تأتي بفائدة.

تتالت الأيام و بدأت جراح الأسرة تلتأم ، صرت أزورهم كثيرا حتى أقضي مزيدا من الوقت مع خطيبي الذي صار يعاملني بجفاء . كنت أعلم بل متيقنة أن حبه لي لم يتغير بل ربما زاد لكنه كان يمنعني من الوقوف بجانبه ، يريد أن يظهر أنه قوي و أن يعيش انكساره لوحده.

-رامي أنا دائما معك لا تنسى هذا

-أعلم يا نور .. لا تحزني من تصرفاتي و لا تفهمي برودي على أنه كره بل أنا أحبك أكثر من أي شي لكني لا أدري إن كنت سأعود لسابق عهدي ..أني أحاول التماسك رغم انهياري

-الموت سنة الحياة سنعود لخالقنا يوما ما يجب أن تقتنع بأن ما حدث قضاء الله و قدره

-لو كنت معه يومها .. لو أخبرته أني أحبه و أني تغيرت و أني أفكر بالعودة للجامعة .. لو أني أسعدته و جعلته يفتخر بي لكنت أقل انكسار مما أنا عليه الآن

-ستجعله يفتخر ستصبح نسخة أفضل بل حتى أنك أصبحت نسخة أفضل ستعود للجامعة و ستتخرج و تبدأ عملا و ستحسن للناس حتى أنهم سيدعون بالرحمة لمن ربّاك

-أنت تؤمنين بي حتى في أشد أيامي انطفاء

-أنا أؤمن بك في كل الأوقات يكفي أن تؤمن أنت بنفسك

-أنا لا أستحقك

-بل أنت تستحق كل الخير ..انظر نفسك إنك تحاول أن تعوض الاسرة على الخسارة نسعى لإضحاك الجميع لكنك تقسو على نفسك و أنت تستحق الرحمة

-انت لطيفة معي فحسب

-أنا أقول فقط الصدق .. أنظر لقد وعدتني أن نبقى معا أن نواجع الصعاب و الآلام و هذا أول امتحان لحبنا

-حبّنا ..؟

-أجل .. ألم تفهم بعد مدى حبّي لك ؟

-لا أنت فقط تقولين هذا لأنك تشفقين على حالتي ..أنت أصلا وافقت على الخطوبة شفقة منك على حالي

-رامي أنا أقف أمامك بخوف و جرأة أعترف لك أني أحبك و أنت تقول أنها شفقة؟..

-كيف تتوقعين أن يكون ردي مثلا ؟..شكرا لأني تشفقين عليّ

-حسنا لن أخوض هذا الجدال سأذهب

-أترين .. إنها مجرد محبة شفقة مؤقتة ..هيا اذهبي لا تضيعي وقتك مع شخص فاشل مثلي شخص لا يرتقي لطموحاتك و أحلامك و طيبتك

-هل أنت غبي ؟ ألا ترى أني وضعت أحلامي جانبا و اخترتك أنت ؟

-أنت لم تتمسكي في أحلامك و طموحاتك و تخليّت عنها .. ما الذي يضمن لي أنك لن تتخلي عنّي أنا أيضا .

-أنت محق ما الذي دفعني لترك أحلامي و التضحية بكل ما أريد من أجل حب شخص لا يقدّر ذلك .. انظر لحالتك أنت حتّى لا تحب نفسك كيف يمكن لشخص لا يحب نفسه أن يمنح غيره الحب.

-أنت محقة

-و أنت غبي أخرق..

خرجت من مطعم رامي باكية، لا أدري ما الذي أحزنني أكثر كلامه أو رفضه لحبّي فكلاهما جرحا كبريائي. كنت دائما أظن أن الشجار يجعل المحبة متينة و القلوب أكثر تعلقا ببعضها لكن شجارنا تلك الليلة دمّر كل شيء و جعل محبتنا تخوض امتحانا صعبا.

-يتبع-

الجزء 6

الجزء7