اقترب الشتاء، عندما نقول شتاء قد يطرق على بالك، أمطار وثلوج ، غيوم سوداء تتسابق في السماء لترمي بحملها على الأرض، ورياح تتنافس من منها الأقوى. برد قارص و صقيع يخلج في العظم.

إلا أنني أحسبه من أشهر المواساة، من أشهر الستر على مشاعر تتقلب في قولبنا،.

لم أحمل هم برده يوماً وأنا جمرة أتنقل في الممرات، ولم أعد أخاف من أن تخونني دموعي في الطرقات فقد سترها المطر.

أحيانا كنت أجلس بجانب الموقد في منزل جدتي فلا أعلم من يستمد شعلته من الآخر، كانت رائحة الليمون تتشاجر مع رائحة الدخان العربي ، موقع على الأرض اجتمع فيه الماضي والحاضر، لم يتسلل التطور إلى أجزائه البسيطة، لم تسرق الأيام الجمال والطمأنينة من تلك البقعة ، لم يتجرد ذلك المنزل من صوان القش و والاباريق الحديدية و الفخار والنحاس ،كان يتمسك بقوة بالماضي العريق خوفاً ما الحاضر المزيف.

كانت مقراً للاجتماع عجائز الحي، بل كانوا أعمدة الحي، كانت البيوت تستنير بهم وتترنم الجدران بأحاديثهم.

قضيت طفولتي بينهم،حتى أصبحت جزءا منهم،كنت أترك جميع الأطفال وأذهب إليهم بشوق،وكان ذلك سبب لقبي ب(الفتى العجوز) فلم يكن أحد يدمن مجالسة العجائز بقدري ...

كنت أنظر إليهم بشكل مختلف،بعيني كاتب صغير وهائم مجنون، ليس كما يراهم معظم الناس،عجائز ليس منهم فائدة في المجتمع ، كنت أجلس معهم كمن يجلس في مكتبة مختلفة الروايات والقصص، كان كلّ واحد منهم كتابا" مليء بالقصص والحكم والمواعظ.

صحيح لم تعد تسعفهم جوارحهم في قضاء حجاتهم والعمل بما يرغبون، ولكن عقولهم كانت كنز، قصصهم جميلة وناضجة نأخذ منها العبر نستخرج منها بعض أسرار الحياة، ففي كلام و مشاعر و أفكار كل منهم قصص ودروس مختلفة.

كنت أشعر وكأنهم يملكون طاقة سحرية ، مجرد بدأ أحاديثهم، يذهبوا بي إلى ما قبل الأربعين خميسين عام كما يحدث في أفلام الكرتون و الروايات الخيالية ،

فعليا" لم أكن أجلس معهم ,فقد كنت أكمن داخل تلك الروايات،أتذوق العيش في زمانهم المختلف...زمن لا يمد لواقعنا بأي صلة .

كان هذا دافعا" قويا" بأن أحجز مقعدا" في رحلة في زمن الثمانيات ..هذا إن لم تذهب إحداهن للحديث عن أبويها وأجدادها فتعيدنا في الزمن أكثر

بقدر ما نحتفظ بالعادات والتقاليد إلا أنها كانت في تلك القصص مختلفة عن زماننا، كان لها نكهة غريبة ولون مختلف ، حتى في نسماتها وصيفها وشتائها ،كنت أرى اختلاف في القلوب والعقول ...

وفي بعض الأحيان أجالس كتبي لعلها تقرأني فهل يمكننا أن نتبادل الأدوار؟

كانت تواسيني في وحدتي، تحدثني عنك، وعني.

كان كل شيء يمدني بصورة ابداعية، بنص دافئ.

إلا أنني لم أحسن الكتابة عن شيء.

آلاء رشيد