في صباح يوم الأحد السابع عشر من مارس لعام 2019 م ..

مثلت المتهمة عفاف وعشيقها مؤمن أمام محكمة الجنايات في غزة على إثر مقتل زوجها وأبنائها الثلاثة بعد أن هزت قضيتها الشارع الغزي في صباح يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ديسمبر لعام 2018م وأثارت جدلا واسعا بين فئات الشعب الفلسطيني وألهبت مواقع التواصل الاجتماعي والرأي العام بين متعاطف معها وبين ناقم عليها وعلى أسرتها التي لم تحسن تأديبها وأنجبت للمجتمع فتاة سفاحة عديمة الرحمة مثلها ....

"لا لا !!!  لست نادمة ، لست نادمة !!!!!" وليس لدي أقوال أخرى ولا أريد إحالتي إلى طبيب نفسي !!! "....

كانت هذه آخر عبارة نطقت بها المتهمة في قضية مقتل زوجها وأبنائها الثلاثة ، قبل صدور حكم الإعدام بحقها وحق عشيقها الذي شاركها في جريمة القتل بدم بارد ؛ حينما وجه إليها القاضي سؤالا مفاده :

هل أنت نادمة يا عفاف على ما اقترفته في حق نفسك أولا ثم في حق زوجك وأولادك الثلاثة ، وهل ترغبين في أن أحيلك إلى طبيب نفسي قبل إصدار الحكم  ؟...

كان سؤاله التماسا ؛ لبعض العذر لها والاسترحام قبل إصدار حكمه النهائي بحقها ، ظنا منه أنها ستكون نادمة على جرمها ، وأن ما قامت به كان بفعل تلك الظروف القاسية التي ألمت بها في حياتها ، ولربما لم تكن بكامل وعيها وقت ارتكاب تلك الجرائم ، لأنه شعر بأنها تعاني من اضطرابات نفسية حادة مكبوتة ، أراد أن يعاملها بروح القانون وليس بقوانينه الصارمة والحازمة ....

كان يود أن يسمع منها ما يثلج صدره ؛ ليخفف منطوق الحكم عليها بالأعمال الشاقة المؤبدة عوضا عن الإعدام رغم بشاعة ما قامت به من جرم سافح ، لكن إنسانيته طغت على المشهد الدموي الماثل في الأوراق التي بين يديه ، فالحكم بالإعدام ليس أمرا هينا ، وكرسي القضاء ليس تشريفا لصاحبه بل نار ملتهبة يوم القيامة ، لهذا إرتأى أن يستنفذ كافة الأسباب والأعذار ليكون حكمه عادلا ويتق بكلمته سخط الله فيما بعد ، فدعوة المظلوم سهم لايرد  ...

وبعد إدلائها بكلمتها الأخيرة حسم القاضي أمره بالنسبة لمنظور منطوق الحكم بحقها وحق عشيقها القاتل ، لكنه توجه أيضا بسؤال أخير إلى مؤمن قائلا : هل لديك شيء تحب أن تدلي به للمحكمة قبل صدور الحكم ؟

بماذا سأدلي سيدي القاضي بعد أن جنيت عن نفسي وعلى أسرتي ، وعلى أناس أبرياء ليس لهم أي ذنب فيما اقترفته يداي بحقهم ، سوى أنهم كانوا عقبة أمام نزواتي وشهواتي المقيتة الزائلة ، وغياب عقلي أمام جمال تلك الأفعى التي ما لبثت أن بخت سمها في أذناي فطاوعتها وأنا مغيب أعمى البصيرة ، لا أفكر سوى في قربي منها والاستمتاع بجسدها الفاني ؟

اااااه بماذا أدلي وأنا من سعيت إلى دربها ، وإلى طريق الهاوية ؟

لكن جل رجائي سيدي القاضي أن ترأف بي في حكمك ..

والآن وبعد أن بانت الأمور لهيئة المحكمة الموقرة ، وثبتت التهمة على الجانيين بالأوراق الرسمية والأدلة القاطعة الحاسمة ..

حكمت المحكمة بالإعدام شنقا حتى الموت على كل من :

*-المتهمة الأولى : عفاف محمد حسنين ..

*-والمتهم الثاني : مؤمن فايد منصور...

وإحالة أوراقهم إلى المفتي لتنفيذ الحكم في الخامس والعشرين من شهر مارس لسنة 2019م صباح يوم الإثنين في الساعة العاشرة صباحا والله ولي التوفيق ...

رفعت الجلسة.....

علت صيحات التكبيرات في قاعة المحكمة من أهل الضحايا المغدورين ، الله أكبر ، الله أكبر ، يحيا العدل والقصاص ....

انتابت عفاف نوبة هلع وصرع ، خارت على إثرها قواها وسقطت على الأرض خلف قضبان منصة الإتهام..

كلا ...كلا ...لا أريد أن أموت !!!!

لا تقتصوا مني بل اقتصوا ممن سلبني حياتي ودمرني وجعلني أموت وأنا على قيد الحياة ، ثم أغشي عليها وتم نقلها لمشفى السجن ..

أما مؤمن فكان حاله مزريا ، أخذ يرطم رأسه بقضبان السجن ، والدم يقطر من جبهته غير مبال به ، موجوع القلب يتمتم بحشرجة : اااه يالله ارحمني ، ماذا فعلت بنفسي ؟

تبا لشيطاني الذي وسوس لي ، كيف جعلته يقحمني في ارتكاب تلك الفاحشة والكبائر ، حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا عفاف أنت السبب .

فوكزه الشرطي ممسكا بيده قائلا :

لا تلق باللوم والعتاب عليها ،بل ألق باللوم والعتاب على نفسك الشهوانية الأمارة بالسوء ، هيا امض أمامي لعنة الله على أمثالك وأمثالها ..

وقاده إلى عربة نقل السجناء ليتم إيداعه بمركز السجن..

كان مكوث مؤمن قبل المحاكمة لمدة شهرين في السجن سببا كافيا لتوبته وتأنيب ضميره له ليلا نهارا ، فالندم والحسرة كانا يأكلانه من الداخل ، ويضجان مضجعه بالكوابيس ، حتى فقد شهيته ، وبات لا يأكل إلا القليل ....

بعد عدة أيام من إصدار الحكم ذهبت أخصائية نفسية تابعة لإحدى الجمعيات النسوية ، التي تساند المرأة وتدافع عن حقوقها ؛ لزيارة عفاف في مشفى السجن بناء على رغبتها ، بعد أن أخذت إذنا رسميا بالموافقة من النيابة العامة ...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته عفاف هانم..

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ..

يبدو من هيأتك بأنك الأخصائية التي طلبت مقابلتها ؟

نعم سيدة عفاف أنا هي بشحمها ولحمها ، يبدو أنك فطنة جدا !!!..

هكذا كان يقولون لي دوما منذ الصغر ، ولربما لو سمح لي بإكمال دراستي لأصبحت مثلك ، أو لاعتليت مركزا مرموقا !!..

صمتت الأخصائية قليلا وهي تنظر بنظرة غريبة إلى عفاف ..

ما بالك هل انزعحتي من حديثي ، لأني قلت لأصبحت مثلك ؟

احمرت وجنتا الأخصائية وتلبكت قليلا ، وما لبثت أن استجمعت تركيزها وسيطرت على انفعالاتها وأومأت برأسها قليلا مشيحة بنظرها عن ناظري عفاف وقالت متبسمة : هههه ولم سأنزعج سيدة عفاف ؟

صراحة سيدة عفاف ، لا أنكر بأنك شخص حساس ولماح وبأن الحوار معك سيكون حادما ، وعلي أن أكون ماسكة بزمام الأمور وأخاطبك بحذر شديد ، وأحترم رجاحة عقلك ..

ههههه ..حسنا !!! صحيح لم تقولي ما اسمك حضرة الأخصائية ...

أنا ابتسام عرفة ..

عاشت الأسامي ، اسم لطيف ويبعث في النفس الطمأنينة .

شكرا لك على إطرائك سيدة عفاف ، لقد حظيت بقبس من اسمي فأنا دائمة الابتسام ، حتى أصبحت تلك الابتسامات مرسومة على وجهي في فرحي وحزني ، أصبحت من ضمن ملامحي ..

يتبع 

1

2          3       4         5      6    7    8